مكّن التعاون الاستخباراتي والأمني بين الأمن المَالي والمديرية العامة للدراسات والمستندات المغربية، من تحرير أربعةِ سائقين مغاربة من قبضة جماعة موالية لداعش اختطفتهم مُنذ سبعة أشهر في 18 يناير 2025 شمال شرق بوركينا فاسو قرب الحدود مع النيجر.
وتعليقاً على هذه العملية النوعية التي تُجسد فعالية المقاربة المغربية في مجال مكافحة الإرهاب، أوضح الدكتور عبد الفتاح فاتيحي، مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، أنه إنجازٌ يعكس “عمق الانخراط المغربي في استراتيجية جيوسياسية شاملة تهدف إلى تكريس الأمن والاستقرار في منطقة الساحل والصحراء”.
وقال مدير مركز الدراسات، إن المملكة تنطلق من قناعة بأن أمنها القومي مرتبط ارتباطًا عضويًا بأمن الدول الإفريقية المجاورة.
وأكد فتيحي، في حوار “ضيف النشرة” على نشرة أخبار على ميدراديو، اليوم الثلاثاء (05 غشت)، أن المغرب لا يكتفي بمقاربات أمنية ظرفية، بل يتبنى رؤية استراتيجية تقوم على الدمج بين الشراكة الأمنية والتنمية الاقتصادية والبنية التحتية، في إطار مبادرة الأطلسي، التي تروم ربط دول الساحل بموانئ الأطلسي، لتأمين منافذ بحرية تعزز موقعها الاقتصادي، وتضعف في الآن ذاته قدرة الجماعات المتطرفة على التحكم في مسارات التهريب والنفوذ الجغرافي.
وفي سياق هذا التعاون الإقليمي، نبّه فتيحي إلى خطر بالغ يتجسد في تحالف جبهة البوليساريو مع الجماعات الإرهابية الناشطة في شمال مالي وجنوب الجزائر، محذرًا من أن “البوليساريو لم تعد مجرد حركة انفصالية ذات طابع سياسي، بل تحولت إلى فاعل أمني خطير متورط في شبكات الجريمة العابرة للحدود، بما يشمل الاتجار بالبشر والأسلحة والمخدرات الصلبة”.
وأشار إلى أن تقارير استخباراتية متعددة تؤكد انخراط قيادات من البوليساريو في تمويل وتسهيل أنشطة الجماعات المتطرفة، ما يعقد المشهد الأمني في المنطقة، ويجعل من خطر الإرهاب تهديدًا مشتركًا بين المغرب ودول الساحل. واعتبر أن تحول البوليساريو إلى “وكيل أمني مهدد للاستقرار” يفرض يقظة استخباراتية مضاعفة وشراكة إقليمية صارمة لاحتواء هذا التغلغل.
وبهذا المعنى، فإن النجاح المغربي في تحرير الرهائن لا يُقرأ فقط من زاوية الحدث ذاته، بل من خلال ما يعكسه من فعالية في الاشتغال الاستخباراتي العابر للحدود، والتنسيق الأمني متعدد المستويات، وهو ما تنخرط فيه المملكة بشكل فاعل، سواء عبر برامج تكوين الضباط الأفارقة داخل المؤسسات العسكرية المغربية، أو من خلال دعم مشاريع البنية التحتية المشتركة التي تُؤمن عمقًا استراتيجيًا للمملكة في القارة.
وأكد فاتيحي أن المغرب، باعتباره عضوًا في الاستراتيجية الدولية لمكافحة الإرهاب، يُواصل تقوية شراكاته الاستخباراتية مع شركائه الأفارقة والأوروبيين، مشيرًا إلى أن المكتب المركزي للأبحاث القضائية يضطلع بدور محوري في تفكيك الخلايا الإرهابية، وتبادل المعلومات الحيوية التي ساهمت في توقيف عناصر متطرفة داخل وخارج التراب الوطني.
واعتبر الدكتور فتيحي، أن تحرير السائقين المغاربة هو ثمرة مباشرة لهذه الجهود المركبة، وامتداد لمنهجية أمنية مغربية تُراكم التجربة وتشتغل على المدى الطويل، لمواجهة التحديات الإرهابية المعقدة التي تتهدد المنطقة، لا سيما مع تصاعد ارتباط بعض الجماعات المسلحة بكيانات انفصالية مثل البوليساريو، والتي باتت تمثل خطرًا مزدوجًا يمس الأمن والسيادة والاستقرار السياسي في الساحل وجنوب الصحراء.