• جدل مقترح قانون المحروقات.. مهنيو نقل البضائع يهددون بالتصعيد
  • بأرقام استثنائية.. العيناوي ينال إشادة فيفا بعد تألقه مع الأسود
  • في فاس.. شوكي يضع حماية القدرة الشرائية في قلب “برنامج الأحرار”
  • ليل يحدد مطالبه المالية. ريال مدريد يدخل سباق التعاقد مع أيوب بوعدي
  • بسبب خطر حدوث عاصفة رعدية.. تعليق مباراة فرنسا والعراق
عاجل
السبت 16 مايو 2026 على الساعة 23:30

من الفلسفة إلى الأركيولوجيا.. باحثون يعيدون مساءلة فهم التاريخ في المغرب (صور)

من الفلسفة إلى الأركيولوجيا.. باحثون يعيدون مساءلة فهم التاريخ في المغرب (صور)

احتضن فضاء عبد الله العروي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، التابعة لـ جامعة الحسن الثاني، لقاء فكريا نظمه مختبر لوغوس للتواصل والفلسفة ضمن سلسلة “كاتب وكتاب.
وخُصّص اللقاء لمناقشة الإصدار الجماعي المعنون: “كيف يُفهم التاريخ: مشارب وتجارب”، من تنسيق المؤرخين محمد حبيدة والطيب بياض.

وعرف هذا اللقاء حضورا أكاديميا من أساتذة وطلبة باحثين، إذ تحوّل إلى فضاء فكري مفتوح لإعادة مساءلة معنى التاريخ وحدود الكتابة التاريخية، وعلاقة المؤرخ بالمناهج والأسئلة الجديدة التي باتت تفرضها تحولات المعرفة والذاكرة والوسائط الرقمية، وسعى إلى استشراف إمكانات تجديد البحث التاريخي المغربي في تقاطعه مع الفلسفة والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا وباقي العلوم الإنسانية.


وافتُتحت أشغال الندوة بكلمة للدكتورة ليلى مزيان، التي أكدت أهمية احتضان الجامعة لنقاشات فكرية عابرة للتخصصات، معتبرة أن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على إنتاج المعرفة داخل حدود الحقول الأكاديمية المغلقة، بل يتجه نحو بناء حوار علمي قادر على تجديد أدوات التفكير في المجتمع والتاريخ معاً.

من جهته، أحاط الدكتور عبذ اللطيف فتح الدين نائب مدير مختبر لوغوس، على أهمية انفتاح المختبر العلمي على المشاريع الفكرية التي تشتغل في تقاطع المناهج والأسئلة النقدية، كما قدم أرضية للنقاش في سياق التحولات التي تعرفها فلسفة التاريخ وأسئلة الفهم المعاصر، قبل أن يتولى رئاسة تسيير هذه الجلسات والمداخلات العلمية.

وفي مداخلته المعنونة بـ”من التاريخ للتاريخ أو عن ظاهراتية المعنى السّيَري”، انطلق الدكتور محمد زكاري من تشخيص ما وصفه بأزمة الوعي التاريخي المعاصر في زمن “الانفجار الذاكراتي”، حيث تتكاثر المعطيات والصور والأرشيفات الرقمية بشكل غير مسبوق، مقابل اتساع أزمة الفهم والتأويل. واعتبر أن التاريخ لم يعد مجرد مادة للمعرفة، بل صار مجالاً للصراع الرمزي والهوياتي وإعادة إنتاج الإيديولوجيا.

ومن منظور ظاهراتي استلهم أعمال إدموند هوسرل وموريس ميرلو بونتي وبول ريكور، دعا زكاري إلى تجاوز النزعة الوضعية التي تختزل التاريخ في الوقائع الجامدة، وأكد أن “المشرب التاريخي” ليس مجرد اختيار منهجي، بل تعبير عن وعي المؤرخ بذاته وبالعالم.

وفي هذا السياق، اعتبر أن اشتغال فرناند بروديل على مفهوم “الزمن الطويل” لم يكن تقنية بحثية فحسب، بل رؤية فلسفية كاملة لفهم الزمن والتاريخ والوجود.
أما الدكتور يوسف الزيات، فقد قارب الموضوع من زاوية تجمع بين التجربة الذاتية والسؤال الجماعي في مداخلته “التاريخ وتقاطعاته: تجربة في الفهم والكتابة”.

واستعاد الزيات مساره كباحث انتقل من النفور من السرديات التاريخية التقليدية إلى الانفتاح على المقاربات المفاهيمية المتقاطعة مع الفلسفة والسوسيولوجيا، متأثراً بأعمال عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري ومدرسة الحوليات الفرنسية.

وأوضح أن هذا التوجه انعكس في اشتغاله على موضوع “النخبة التطوانية”، عبر توظيف أدوات علم الاجتماع السياسي لفهم تشكل النخب وتحولات السلطة. كما توقف عند خلفيات مشروع كتاب “كيف يُفهم التاريخ”، الذي ساهم فيه 22 باحثاً شاباً عبر 44 ورقة علمية، موضحا أن المشروع يروم نقل المناهج التاريخية الجديدة إلى السياق المغربي، سواء تعلق الأمر بتاريخ النساء أو الرياضة أو المقاولة أو الهوامش الاجتماعية، إلى جانب ترسيخ حس نقدي يقطع مع الأحكام الجاهزة والقراءات الدوغمائية.

واعتبر الزيات أن أحد رهانات المشروع يتمثل في بناء “الخلف الأكاديمي” القادر على مواصلة ما راكمه جيل الرواد في الجامعة المغربية، من خلال طرح سؤال مركزي: كيف يمكن للجيل الجديد أن يفهم التاريخ اليوم داخل السياق المغربي؟ وهو سؤال، بحسبه، يفرض انفتاح المؤرخ على مختلف حقول الإنسانيات بدل الاكتفاء بالاشتغال داخل الحدود التقليدية للتخصص.

وفي مداخلة اتسمت بنَفَس نقدي واضح، حملت عنوان “كيف يُفهم التاريخ مغربياً؟ من عرض المدارس إلى الرؤية من الداخل”، نقل الدكتور الصديق درعي النقاش من المستوى النظري إلى المعطى الأركيولوجي الميداني، مستحضراً التحولات التي أحدثتها الاكتشافات الأثرية الأخيرة بالمغرب، وعلى رأسها مكتشفات جبل إيغود، ومغارة بيزمون، إلى جانب مواقع أثرية بكل من طنجة وسجلماسة وتفوغالت.

وأكد درعي أن هذه الاكتشافات أعادت المغرب إلى قلب النقاش الكوني حول أصول الإنسان، وقلبت سرديات ظلت لعقود تتمركز حول أوروبا والمشرق، داعياً إلى استثمار هذا الرصيد الأركيولوجي لبناء ما سماه “السيادة المعرفية التاريخية”، عبر تفكيك المقاربات الكولونيالية التي اختزلت المجتمع المغربي في ثنائيات تبسيطية من قبيل “بلاد المخزن” و”بلاد السيبة” أو “البادية” و”الحاضرة”.

كما وجّه نقدا هادئا لبعض النماذج التفسيرية السوسيولوجية المعاصرة، وفي مقدمتها نموذج “الشيخ والمريد” لـ عبد الله حمودي، معتبراً أن المعطيات الأركيولوجية والطقوس الجنائزية المكتشفة تكشف عن تعقيد أكبر في البنيات الرمزية والاجتماعية والثقافية للمجتمع المغربي. وختم مداخلته بالدعوة إلى بلورة مفهوم مرن لـ”تمغربيت”، ينطلق من الخصوصية المحلية باعتبارها مدخلاً لإعادة التفكير في الكوني، لا نقيضاً له.

واختُتمت الندوة بورقة للدكتور توفيق آيت بوشكور، تلتها نيابة عنه الطالبة الباحثة نعيمة عزار، تحت عنوان “كيف يُفهم التاريخ الاقتصادي؟ بين التحول المنهجي وتعدد المقاربات”. ووقفت الورقة عند التحولات التي عرفها التاريخ الاقتصادي منذ القرن التاسع عشر، حين كان يقتصر على الوصف الإحصائي للأسعار والأسواق والضرائب، وصولاً إلى تحوله، مع مدرسة الحوليات، إلى أداة لفهم البنيات العميقة للسلطة والمجتمع والدولة.

واستحضرت الورقة أطروحات كارل بولاني التي ترى أن الاقتصاد ليس مجالاً مستقلاً عن المجتمع، بل ظاهرة مندمجة في علاقات القوة والبنيات الاجتماعية، قبل أن تتوقف عند التحولات التي حملها “التاريخ الاقتصادي الجديد” مع دوغلاس نورث وروبرت فوغل، ثم تطور الاهتمام بتاريخ المقاولات والأبناك ورجال الأعمال في أعمال جون بوفييه.

وفي إسقاط على التجربة المغربية، اعتبرت الورقة أن مؤتمر الجزيرة الخضراء وتأسيس “بنك الدولة المغربية” لم يكونا مجرد حدثين ماليين، بل شكّلا لحظة مفصلية تقاطعت فيها رهانات الاقتصاد بالدبلوماسية والسياسة، وأسهمت في إعادة تشكيل بنية الدولة المغربية الحديثة وآليات التغلغل الأجنبي.

وعقب انتهاء المداخلات، فتح النقاش العام المجال أمام تدخلات الأساتذة والطلبة الباحثين، في حوار امتد بين أسئلة المنهج وفلسفة التاريخ وحدود الكتابة التاريخية وإمكانات تجديدها داخل الجامعة المغربية.

وخلصت الندوة، في أفقها التركيبي، إلى أن كتاب “كيف يُفهم التاريخ: مشارب وتجارب” لا يقدم مجرد تجميع لمقاربات أكاديمية متفرقة، بل يقترح ملامح وعي تاريخي مغربي جديد؛ وعي يستند إلى النقد الفلسفي، وينفتح على المعطى الأركيولوجي، ويستثمر أدوات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي، من أجل بناء جماعة علمية قادرة على مساءلة المركزيات المعرفية السائدة والانطلاق من المحلي بوصفه أفقاً لإنتاج معرفة كونية أكثر توازناً وعمقاً.

السمات ذات صلة