بفوز اعتبره تتويجا “لأفكار الأنتربول”، دشّن الفرنسي لوكاس فيليب ولايته رئيسا جديدا لمنظمة الإنتربول برؤية واضحة تبدأ بإعادة تعريف الدور العملي للمنظمة، وتمتد نحو تعزيز شراكاتها الدولية، وعلى رأسها الشراكة مع المغرب، وتنتهي بفلسفة أمنية تعتبر أفريقيا جزءا عضويا من الهندسة الجديدة للأمن العالمي.
منذ اللحظة الأولى لانتخابه، قبل قليل من اليوم الخميس، عبّر فيليب، في تصريح لـ “ميد راديو”، عن امتنانه لكون الإعلان جاء من المغرب، مؤكدا أن وجوده في مراكش مكّنه من لقاء ممثلي العديد من الدول المشاركة في الجمعية العامة، ومن “الاحتفال بانتصار الأفكار” التي حملها طيلة حملة انتخابية وصفها بالمرهقة وطويلة. بالنسبة له، كانت هذه الحملة مناسبة لاستخلاص الدروس وصياغة رؤية تُمكّن المنظمة من التقدم بخطى عملية نحو المستقبل.
المغرب وأفريقيا
ويضع الرئيس الجديد في صلب أولوياته ما يعتبره “جوهر مهمته”: “تنسيق الجهود، ووضع جسور بين الثقافات والمصالح، وتحويل الإنتربول إلى مؤسسة أكثر عملية وأكثر ارتباطا بالواقع الميداني”. يقول فيليب إن الإنتربول “بيت جميل”، لكن قوته الحقيقية تكمن في فعاليته، وفي قدرته على توحيد الفهم بين الاستراتيجية والعمل العملياتي، باعتبار أن الأمن ليس شعارا بل ممارسة يومية تتطلب قرارات حاسمة في بيئات غامضة ومعقدة.
وسط هذه الرؤية، يحضر المغرب كحليف كبير، حيث يؤكد فيليب أن التعاون المغربي ـ الدولي ليس مشروعا يُبتكر، بل علاقة قائمة يجب تغذيتها وتطويرها، تماما “كما في العلاقات الإنسانية”، بحسب وصفه، إذ تحتاج إلى احترام متبادل وعمل جاد وذكاء جماعي. ويعتبر الرئيس الجديد أن المغرب شريك يمكن الاعتماد عليه، وأن المرحلة المقبلة ستشهد عملا مشتركا يهدف إلى “إعطاء مزيد من البعد لما نطمح إليه جميعا: الأمن”.
في نظره، الأمن جزء لا يتجزأ من السلم، وبالتالي فإن المسؤولية الملقاة على عاتق مسؤولي الدول والمنظمات الدولية مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إدارية؛ مسؤولية تضمن حماية النظام العام عبر خطط واقعية وقابلة للتنفيذ. لهذا، يشدد فيليب على ضرورة أن تتحول الأفكار إلى خطوات ملموسة، وأن تصبح الإنتربول مؤسسة “أكثر قدرة على الفعل”.
وخلال حديثه عن البعد الأفريقي، دعا فيليب إلى رؤية توحد القارات، مؤكدا أن أفريقيا وآسيا وأوروبا والأمريكتين وأوقيانوسيا ليست جغرافيات متباعدة، بل “إقليما واحدا، ولغة توحدها: الإنتربول”. هذه الوحدة، كما يصفها، تقوم على احترام الحقوق، وعلى فهم التنوع الثقافي، وعلى القدرة على اتخاذ القرارات في أكثر الظروف غموضا.
محاربة الجريمة الإلكترونية
وفي معرض حديثه عن القرار الأخير للجمعية العامة المتعلق بمحاربة شبكات الاحتيال الإلكتروني، أوضح بأن قوة القرار تكمن في توحيد المبادرات، إذ يرى أن تعدد المبادرات العالمية يخلق تشويشا، بينما توفر القرارات المشتركة “خارطة طريق واضحة” لكل المتدخلين. ويفتخر فيليب بأن الإنتربول أصبح يمتلك خطة مُهيكلة تُسهّل على الدول أدوارها، وترسخ الفهم الجماعي لطبيعة التهديدات.
ويعترف الرئيس الجديد بتواضع رجل أمن قضى مساره في الميدان، ويقدم نفسه كمحارب يعمل “من أجل الخير”، ملتزم بتحويل التعقيدات الدولية إلى حلول عملية. بالنسبة له، المعركة مشتركة بين رجال الأمن والصحافيين والجمهور، لأن الهدف واحد: “الأمن والسلام”.
هكذا يفتتح لوكاس فيليب ولايته بروح ممتنة ورسالة قوية: “الإنتربول أكثر اتصالا، وأكثر تنسيقا، وأكثر قربا من أفريقيا… ومغرب حاضر في قلب أولويات المرحلة”.