أعلنت النقابات التعليمية الخمس الأكثر تمثيلية رفضها القاطع تعميم أي مشروع إصلاحي، بما فيه مشروع “مدارس الريادة”، خارج إطار تقييم علمي وموضوعي، ودون إشراك فعلي للفاعلين التربويين وممثليهم، مؤكدة تشبثها بتعليم عمومي ذي جودة، ورافضة كل ما من شأنه “إفراغ المؤسسات التعليمية من مضمونها التربوي”.
وأوضحت النقابات، في بلاغ لها، أنها تتابع بقلق بالغ واستياء عميق مستجدات تنزيل ما يسمى بمشروع “مدارس الريادة” بقطاع التربية الوطنية، في ظل استمرار المقاربة الأحادية والممركزة لوزارة التربية الوطنية، القائمة على منطق التجريب التقني والتدبير الرقمي الضيق، بدل معالجة الأعطاب البنيوية العميقة التي يتخبط فيها التعليم العمومي.
وأكدت النقابات أن أي “إصلاح تربوي لا يمكن أن ينجح إلا إذا كان قائما على مقاربة تشاركية، تحترم الخبرة المهنية للأطر التربوية والإدارية، وتضمن الإنصاف وجودة التعلمات”، مشيرة إلى أن الطريقة التي يتم بها تنزيل مشروع “مدارس الريادة” تثير عدة علامات استفهام، وتكشف عن اختلالات بنيوية تمس جوهر الفعل التربوي واستقرار المؤسسات التعليمية”.
وسجلت أن المشروع، الذي قُدّم كمدخل لتحسين التعلمات، “أبان واقعيا عن تبسيط مفرط واختزال للعملية التعليمية في مؤشرات رقمية ومعطيات تقنية، على حساب العمق البيداغوجي والتربوي والإنساني، كما يسهم في إضعاف الدور التربوي للأستاذ(ة) عبر حصره في تنفيذ تعليمات جاهزة، بدل اعتباره فاعلا أساسيا وشريكا في البناء التربوي”.
وأضاف البلاغ أن “المشروع يفرض أعباء إضافية متزايدة على نساء ورجال التعليم، من تتبع رقمي وتكوينات متسارعة وتقارير متعددة وإعادة الامتحانات، دون تحفيز مادي أو معنوي كاف ومستدام، كما يفتح المجال لمنطق التجهيزات والبرامج والصفقات، بدل إعطاء الأولوية للاستثمار في الموارد البشرية وتحسين شروط العمل داخل المؤسسات التعليمية، مبرزا أنه يفرز تفاوتات واضحة بين المؤسسات ويهدد تكافؤ الفرص ووحدة المدرسة العمومية”.
وفي هذا السياق، حملت النقابات وزارة التربية الوطنية والمسؤولين المركزيين عن برنامج الريادة المسؤولية القانونية والإدارية والأخلاقية في واقعة تسريب الامتحانات بمؤسسات الريادة في السلك الابتدائي، معتبرة أن ما وقع نتيجة مباشرة للقفز على آليات وقنوات التراسل الإداري، والاعتماد على وسائل تواصل تفتقر لأدنى شروط حماية المعلومة.
كما رفضت بشكل قاطع تحويل الفاعلين التربويين، من أساتذة ورؤساء مؤسسات وأطر إدارية ومفتشين وتلاميذ، إلى مجرد أدوات تنفيذ، وإثقال كاهلهم بتقويمات وعمليات تقنية بعيدة عن البيداغوجي والديداكتيكي، ولا تستند إلى أطر مرجعية واضحة يتم الاحتكام إليها في قراءة النتائج وتفسيرها.
ودعت النقابات إلى إعادة النظر في منظومة التقويم التي تحولت، حسب البلاغ، إلى أداة تقنية منزوعة البعد البيداغوجي والإنساني، مجددة تشبثها بتعليم عمومي موحد وديمقراطي ومجاني وجيد، يقوم على الاستثمار في العنصر البشري، وتحسين الأوضاع المهنية والاجتماعية، واحترام القوانين المؤطرة للعمل التربوي، وضمان الإنصاف وتكافؤ الفرص.
وختمت النقابات التعليمية الخمس بلاغها بالدعوة إلى “فتح حوار وطني جاد ومسؤول حول إصلاح تربوي حقيقي، ينطلق من الواقع المدرسي وخبرة المدرسين، وليس من منطق التجريب الفوقي أو إملاءات مكاتب الدراسات واللجان المركزية، مؤكدة استعدادها لخوض كل الأشكال النضالية المشروعة دفاعا عن كرامة نساء ورجال التعليم وعن جودة التعليم العمومي”.