بين المشاريع الميدانية والبحث العلمي، يسعى المغرب إلى بناء نموذج مستدام لتدبير موارده المائية، ويمضي بخطى متسارعة نحو توسيع الاعتماد على تحلية المياه، في ظل التحديات المناخية.
وفي هذا السياق، أكد نزار بركة وزير التجهيز والماء، أن المملكة المغربية انخرطت في تنفيذ مخطط واسع لتسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر، بهدف تأمين حاجيات المدن الساحلية وبعض المدن الداخلية من الماء الصالح للشرب، إلى جانب دعم سقي المساحات الفلاحية ومواكبة الدينامية السوسيو-اقتصادية التي تعرفها البلاد.
وأوضح الوزير، في جواب كتابي على سؤال برلماني، أن البرنامج الوطني الجاري يتم تنزيله تنفيذا للتوجيهات الملكية، ويحدد هدفا استراتيجياً يتمثل في تعبئة ما يصل إلى 1.7 مليار متر مكعب سنوياً من المياه المحلاة بحلول سنة 2030، وهو ما يعكس تحوّلا واضحا في السياسة المائية للمغرب نحو تنويع مصادر التزود بالماء وتقليص الاعتماد على التساقطات المطرية.
تجارب تعزيز الأمن المائي
وعلى المستوى الجهوي، تشهد عدة مناطق مشاريع عملية لتعزيز التزود بالماء، من بينها مدينة ميسور حيث تم إعطاء انطلاقة استغلال محطة لتحلية المياه الجوفية الأجاجة.
وتندرج هذه المنشأة ضمن برنامج يهدف إلى إحداث 11 محطة لمعالجة وتحلية المياه بمختلف أقاليم وعمالات جهة فاس – مكناس، في إطار رؤية تروم دعم التنمية الترابية وتحسين استدامة الموارد المائية.
وتبلغ الطاقة الإنتاجية للمحطة الجديدة 3 لترات في الثانية، وهو ما يسمح بتلبية حاجيات أزيد من خمسة آلاف نسمة من ساكنة المدينة، أي ما يعادل نحو 18 في المائة من السكان. وتعتمد المحطة على معالجة المياه الجوفية المالحة وتحويلها إلى مياه صالحة للشرب وفق المعايير الصحية المعتمدة.
مشاريع استراتيجية
وتشمل الاستراتيجية المائية على الصعيد الوطني عددا من المشاريع الكبرى في مجال تحلية المياه، من أبرزها محطة الدار البيضاء التي تعد الأكبر في إفريقيا بطاقة إنتاجية تصل إلى 300 مليون متر مكعب سنويا على مرحلتين، بهدف تعزيز تزويد مدن الدار البيضاء وسطات وبرشيد بالماء الصالح للشرب في إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص.
كما تتواصل أشغال محطة الداخلة التي بلغت نسبة إنجازها نحو 78 في المائة مطلع سنة 2026، وتتميز بدمج الطاقة الريحية لإنتاج مياه الشرب والري.
وفي السياق نفسه، دخلت محطتا آسفي والجديدة مرحلة التشغيل الجزئي بطاقة إجمالية تقارب 110 ملايين متر مكعب سنويا، بينما تواصل محطة شتوكة آيت باها، التي دخلت الخدمة سنة 2022، تأمين مياه الري والشرب لفائدة منطقة أكادير.
وبموازاة هذه المشاريع الكبرى، يجري تنفيذ برنامج لإطلاق 244 محطة متنقلة بهدف تعزيز تزويد المناطق القروية والنائية بالماء الصالح للشرب.
الجانب العلمي في تدبير الموارد المائية
وموازاة مع المشاريع الميدانية، تتجه الأنظار إلى الجانب العلمي والابتكاري في تدبير الموارد المائية.
وفي هذا الإطار تستعد مدينة طنجة لاحتضان الدورة الثانية من الندوة الدولية حول الابتكارات في تحلية المياه بالطاقة الشمسية وتدبير المياه (ISSD-WM 2026) يومي 8 و9 يوليوز المقبل.
ومن المرتقب أن يُنظم هذا الحدث بصيغة تتيح المشاركة حضوريا في طنجة أو عن بعد، ما يفتح المجال أمام مشاركة أوسع للباحثين والمتخصصين من مختلف أنحاء العالم.
كما سيعرف اللقاء مشاركة خبراء وباحثين من عدة دول، بينها إسبانيا وفرنسا والمملكة العربية السعودية والأردن إضافة إلى المغرب، على أن يتم نشر الأبحاث العلمية المقبولة في عدد خاص من المجلة العلمية الدولية Energies.
أهمية البحث العلمي
وسيجمع هذا الحدث العلمي، الذي تنظمه المدرسة العليا للعلوم الحديثة والهندسة بطنجة بشراكة مع الكلية متعددة التخصصات بالعرائش والجمعية المتوسطية للعلوم والتنمية المستدامة، باحثين وطلبة دكتوراه ومهندسين وصناع قرار وفاعلين صناعيين لمناقشة أحدث الابتكارات المرتبطة بالإدارة المستدامة للمياه.
وتنعقد الندوة تحت شعار “أنظمة مائية ذكية ومستدامة: الابتكار، الاقتصاد الدائري، الصمود المناخي والسلام”، حيث ستتناول عدة محاور من بينها تحلية المياه بالطاقة الشمسية، والأنظمة المائية المعتمدة على الطاقات المتجددة، والاقتصاد الدائري للمياه، والبنيات التحتية الهيدرومائية الذكية، إضافة إلى العلاقة المتداخلة بين الماء والطاقة والغذاء.