سلّط مسلسل “منتهى الصلاحية” الضوء على واحدة من أخطر الظواهر الرقمية التي باتت تتسلل إلى المجتمعات العربية بصمت: المراهنات الإلكترونية.
هذا العمل الدرامي المصري الذي عرض خلال رمضان الماضي على قناتي MBC مصر وشاهد، نجح في لفت الأنظار إلى عالم مليء بالإغراءات والمخاطر، من خلال قصة إنسانية مشحونة بالتشويق، تحكي عن أب فقد عمله وسمعته بعدما انجرف خلف لعبة المراهنات حتى وجد نفسه يواجه شبكة معقدة من الجريمة والتهديد.
الكاتب والسيناريست محمد هشام عبية، صاحب سيناريو المسلسل، أوضح أن العمل لقي تفاعلاً واسعاً من الجمهور، ليس فقط في مصر بل حتى في المغرب، لأن الظاهرة لم تعد محصورة جغرافياً.
وقال عبية في تصريح إذاعي: “الناس اتفاعلت بقوة مع المسلسل لأنه لمس واقعاً معاشاً، فالمراهنات الإلكترونية أصبحت منتشرة بشكل واضح، وهي لا تتوقف عند كونها لعبة بل تفتح الباب أمام عالم الجريمة.”
وأشار إلى أن بعض الممارسين انتهى بهم الأمر إلى ارتكاب جرائم حقيقية، من القتل إلى الانتحار والسرقة، في تجسيد صارخ لتحوّل الترفيه الرقمي إلى هاوية أخلاقية واجتماعية.
عمق نفسي بدل استعراض ظاهرة
يشرح عبية أن الهدف لم يكن مجرد استعراض لظاهرة المراهنات، بل محاولة للغوص في التكوين النفسي للمراهن، الذي تحركه رغبة جامحة في تحقيق الربح دون مجهود، والشعور بلذة الترقب والمغامرة. ويضيف: “المراهنة تخاطب جزءاً غريزياً في النفس البشرية، هو حب التجربة والمخاطرة، ولذلك حرصنا على بناء شخصيات المسلسل من مختلف الطبقات، لأن الإدمان على المراهنات لا يميز بين غني وفقير.”
بهذا النهج، تحوّل العمل إلى دراسة درامية للنفس البشرية وهي تسقط في فخ الإغراء الرقمي الذي يُخفي وراءه خسارات فادحة في القيم والعلاقات.
جريمة عابرة للحدود
أما عن أخطر ما في هذه الظاهرة، فيرى الكاتب أن المراهنات الإلكترونية حين تُدار خارج المراقبة القانونية تتحول إلى شبكة عالمية للتمويل المظلم، قائلاً: “الأموال المتداولة في هذه المنصات قد تُستخدم في عمليات غير قانونية تمتد إلى تمويل الإرهاب وتجارة المخدرات والسلاح، ما يجعلها جزءاً من الجريمة العابرة للحدود.”
هذه الإشارة تحيل إلى مسؤولية الدول في مراقبة هذه الأنشطة الرقمية التي تغري المراهقين والراشدين على حد سواء، وتستنزف مدخراتهم في دوامة وهمية من “الربح السريع”.
الدراما كجرس إنذار
يُحسب لمسلسل “منتهى الصلاحية” أنه لم يكتفِ بالتحذير من المراهنات كفعل فردي، بل قدّمها كمرآة لمجتمع يعيش تحولات رقمية سريعة دون ضوابط كافية. فقد استطاع المسلسل أن يحول الترفيه إلى وسيلة توعية، وأن يعيد للدور الدرامي وظيفته الأصلية: كشف المستور في زمن تتخفى فيه الجرائم خلف الشاشات الصغيرة.
بهذا المعنى، لم يكن المسلسل مجرد حكاية عن أبٍ خاسر، بل عن جيل كامل يواجه إغراءات الشاشة، بين لذة المغامرة وسقوط الإرادة، في زمن تُباع فيه الأحلام بنقرة زر واحدة.