خلفت الفيضانات التي شهدتها مدينة القصر الكبير خلال الأيام الأخيرة حالة استنفار قصوى، غير أن ما طبع هذه المرحلة العصيبة، إلى جانب حجم التحديات، هو الإشادة الكبيرة والواسعة التي حظي بها تدخل القوات المسلحة الملكية، وتعاونها المحكم مع مختلف المصالح الأمنية والإدارية، وفي مقدمتها الوقاية المدنية، والأمن الوطني، والدرك الملكي، والسلطات المحلية.

فمنذ الساعات الأولى لارتفاع منسوب المياه، بدا واضحا أن هناك اشتغالً منظمًا وميدانيا عالي الاحترافية، قائما على التنسيق المسبق، وتوزيع دقيق للأدوار، وسرعة في اتخاذ القرار، ما مكّن من إجلاء أكثر من 20 ألف شخص وإعادة إيوائهم في ظروف إنسانية تحفظ الكرامة وتضمن السلامة.

وقد لعبت القوات المسلحة الملكية، تبعا للأوامر الملكية، دورا محوريا في عمليات الإجلاء وإعادة الإيواء، سواء عبر تسخير الموارد اللوجستيكية، أو دعم فرق الإنقاذ، أو المساهمة في تأمين مراكز الإيواء، في انسجام تام مع مجهودات الوقاية المدنية التي تصدرت واجهة التدخل الميداني، والأجهزة الأمنية التي تولت تأمين المناطق المتضررة وتنظيم حركة المواطنين.
هذا التكامل بين مختلف المتدخلين لم يكن وليد الصدفة، بل يعكس تحولًا ملموسًا في طريقة تدبير الأزمات، وانتقالًا من منطق التدخل الظرفي إلى ثقافة الاستباق والتخطيط والعمل الجماعي، وهو ما استحضره المواطنون وهم يتابعون مشاهد الإنقاذ والتضامن في الأحياء التي حاصرتها المياه.

وتكشف هذه التجربة، مرة أخرى، أن المغرب يتغير نحو الأفضل، ليس فقط على مستوى البنيات التحتية أو المشاريع الكبرى، بل أيضا في العقلية المؤسساتية، وفي مستوى الجاهزية، وفي قدرة مؤسسات الدولة على الاشتغال كجسد واحد عندما يتعلق الأمر بحماية المواطن.
لقد كانت فيضانات القصر الكبير اختبارًا صعبًا، لكنها في الوقت ذاته قدمت درسًا بالغًا في أن العمل المؤسساتي المنظم، حين يتوفر له القرار والإرادة والتعاون، قادر على تحويل الأزمات إلى لحظات ثقة، ويعيد للمواطن الإحساس بأن الدولة حاضرة إلى جانبه، في السراء والضراء.