• القانون 08.12.. نقابات وهيئات القطاع الخاص للأطباء تطرح تعديلات وتدعو إلى إصلاح شامل للهيئة الوطنية
  • تحصين حق الملكية واستقرار المعاملات.. إصلاح جديد في التوثيق العقاري
  • يونس العيناوي: نائل اختار المغرب منذ البداية والركراكي لعب دورا حاسما في انضمامه للأسود
  • وهبي: لن نلعب تحت ضغط الحسابات… ولا مشكلة لدينا في الذهاب إلى المكسيك
  • المحمدي: هدفنا إسعاد الجماهير المغربية ومواصلة التألق
عاجل
الجمعة 26 سبتمبر 2025 على الساعة 14:00

شباب ديسكورد.. عالم جديد يناديكم

شباب ديسكورد.. عالم جديد يناديكم محمد محلا

حين يُقصى الشباب، وحين تُغلق في وجوههم أبواب المشاركة، ينكمشون داخل عوالمهم الخاصة، ليس انسحابا بالمعنى الكلاسيكي، بل هجرة جماعية نحو فضاءات رقمية لا نفهمها جيدا، فضاءات تخلق قوانينها وحدها، وتفرز لغتها الخاصة، وتُعيد تشكيل المشهد بطرق يصعب التنبؤ بها.
“ديسكورد” مثال صريح. منصة بدأت كفضاء للألعاب الإلكترونية، تُعطي اللاعبين فرصة التواصل، وتبادل الخطط، وتشكيل مجتمعات صغيرة، لكنها اليوم لم تعد فقط أداة للترفيه، بل تحولت إلى ميدان للنقاشات الجدية، وللاحتجاجات، وأحيانا للتنظيم. هناك في تلك الغرف الرقمية جيل كامل وجد في هذا الفضاء متنفسا بعدما ضاقت به المنابر التقليدية.
لماذا يذهب الشباب إلى “ديسكورد”؟ لأننا لم نترك لهم بديلا. الجيل الذي ما زال يتعثر في استعمال هاتفه الذكي يرى هذه العوالم غريبة، في حين أن الشباب وجدوا فيها حميمية وحرية تعبير وسرعة التطبيق، بعيدا عن وصاية “الكبار”. لماذا؟ لأننا نحن من وضعناهم في خانة “السلاكط” فقط لأنهم يعشقون موسيقى الراب. لأننا قللنا من شأنهم لأنهم يحلمون بعوالم مختلفة، واعتبرنا تجمعاتهم في “ستريمينغ” على موقع “كيك” مجرد “تبرهيش”.
تفكير سطحي، دفعناهم به دفعا إلى بناء منابرهم الخاصة، يراها جيل “العصر الفايسبوكي” عند دخوله لها كدهاليز، حيث لا صوت يعلو فوق صوتهم.
ما يغيب عنا أن هذه الفضاءات ليست محايدة دائما، لأنها لعب تعيد نفسها في كل مرة. فلا نعرف حتى الآن أي خيوط خفية يمكن أن تتحرك هناك، ولا أي أياد تستطيع أن توجّه مطالب اجتماعية بسيطة ومشروعة نحو مسارات أشد سوءا. فخيط واحد يُسحب من الظل يمكن أن يحول مسار نقاشات عادية.
لقد رأينا ذلك في تجارب قريبة؛ صفحات على فيسبوك بدأت بمطالب بسيطة، ثم سرعان ما تحولت إلى ساحات لتبادل خطابات متطرفة. غرف “تيليغرام” التي انطلقت بتنسيق مظاهرات سلمية تحولت لاحقا إلى منصات للاستقطاب من طرف حركات متشددة أو ترويج الإشاعات والتشويش. واليوم، من يضمن أن “ديسكورد” لن يصبح هو الآخر مختبرا لهذا التحوّل؟
ولنعد إلى ما يهمنا. هؤلاء الشباب ليسوا كيانا عابرا يمكن أن نستحضره فقط عند الحملات الانتخابية، ليسوا أصواتا نحتاجها فقط لملء صناديق الاقتراع، إنهم طاقة حية، وعقول متوهجة، ورغبة في إثبات الذات. تجاهلهم خطأ استراتيجي، واحتقارهم جريمة في حق المستقبل.
إن تجربة ميد راديو في فتح الباب للشباب عبر برنامج “رياكشن” ، مع الجميلين بهاء صناغي ولمياء صامد، هي محاولة لكسر هذا الجدار. الإذاعة لم تنتظر انتخابات ولا مناسبات سياسية لكي تستضيف شباب من مختلف التوجهات، بل مدت إليهم اليد في لحظة صادقة، لتقول لهم: أنتم مواطنون كاملو الأهلية، لكم ما تقولونه، ولكم لغتكم التي يجب أن نسمعها.
الأمر لا يتوقف عند حدود البث الإذاعي، فالمسألة أعمق؛ كيف نعيد صياغة علاقتنا بالشباب؟ كيف نكسر الصور النمطية التي علقت بهم؟ كيف ننقل الحوار من منابر مغلقة إلى فضاءات مفتوحة؟ أن نتحدث بلغتهم لا يعني أن نتنازل عن قيمنا، بل أن نقترب منهم، أن نفهم رموزهم، أن نتشارك معهم الهموم ذاتها.
العالم الرقمي الجديد ليس خطرا في ذاته، الخطر الحقيقي أن نتركه حكرا عليهم ونكتفي بمراقبته من بعيد، أن نعتبره لعبة وترفيه و”تبرهيش”، بينما هو يتحول شيئا فشيئا إلى برلمان جديد، وإلى شارع افتراضي يضج بالشعارات، وبطحالب تنتعش في الظلام.
إذا استمرينا في هذا العمى، فإن ما يتشكل هناك سيفاجئنا جميعا في لحظة ما.
الشباب اليوم لا يحتاجون إلى وِصاية، يحتاجون فقط إلى منصة تسمعهم، ولعل التجارب الإعلامية الجديدة، التي تراهن على إشراكهم، بصدق، ولا أن تجعلهم قطعة أثاث، هي المفتاح لإعادة بناء الثقة المفقودة.

السمات ذات صلة