عدد التقرير السنوي لمؤسسة “وسيط المملكة” برسم سنة 2024، الاختلالات التي عرفها ورش تعميم الحماية الاجتماعية، ، الذي شكل، منذ انطلاقه سنة 2020، “منعطفا نوعيا” في بناء الدولة الاجتماعية.
وأبرز تقرير “الوسيط”، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 7423 مكرر، أن التظلمات الواردة على المؤسسة كشفت عن اختلالات مستمرة في الولوج الفعلي إلى هذا الحق، سواء من حيث جودة الخدمات، أو سرعة الاستفادة منها، أو نجاعة أنظمة التغطية، وهو ما سيتم عرضه في الفقرة التالية.
تأمين الحق في التغطية الصحية
ورصدت مؤسسة “الوسيط” استمرار عدد من الاختلالات التي تقوض الفعالية المفترضة المنظومة التغطية الصحية، وتحد من الأثر الاجتماعي المرجو منها. وتتمثل أبرز هذه الاختلالات في تأخر معالجة ملفات استرجاع المصاريف الطبية، مما يثقل كاهل المرضى الذين يضطرون لتحمل تكاليف العلاج لفترات طويلة دون تعويض، ورفض تعويض أدوية باهظة الثمن توصف لعلاج أمراض مزمنة لكونها غير مدرجة ضمن لائحة الأدوية المعوض عنها رغم الترخيص لبيعها في الصيدليات ما يهدد استمرارية الولوج إلى العلاج لدى الفئات الهشة.
كما تشمل هذه الاختلالات تدخل بعض صناديق الاحتياط الاجتماعي في قرارات الأطباء، مما يمس بحرية الممارسة ويضعف الثقة في العلاقة العلاجية بين المريض والطبيب المعالج، إضافة إلى غياب الوضوح بخصوص نطاق الخدمات والعلاجات المشمولة بالتغطية، مما يربك المستفيدين ويعرقل ولوجهم للخدمة.
ومن بين الاختلالات التي أوردها التقرير ذاته، اعتماد نسب استرجاع لا تعكس التكاليف الواقعية للعلاج، الأمر الذي يستدعي مراجعة التعريفة المرجعية الوطنية لتتلاءم مع التحولات الاقتصادية والمعيشية، وكذا رفض التعويض في بعض الحالات بدعوى حذف الطبيب المعالج من اللائحة المعتمدة، رغم عدم مسؤولية المؤمن له عن هذا الوضع.
أكدت مؤسسة “الوسيط” أن هذه الاختلالات “تمس بشكل مباشر جوهر الحق في الولوج العادل والمنصف إلى العلاجات، وتفرض من منظور المؤسسة مراجعة عاجلة لجوانب من منظومة التغطية الصحية بما يعزز بعدها الحقوقي، وفعاليتها الاجتماعية”.
تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض (AMO)
ولفت التقرير إلى أنه رغم الأهمية الاستراتيجية لتعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض باعتباره إحدى ركائز الدولة الاجتماعية، ورافعة مركزية لتقليص الفجوة في الولوج إلى التغطية الصحية، خاصة لدى الفئات الهشة، إلا أن مؤسسة “الوسيط” رصدت مجموعة من الاختلالات التي تعيق التفعيل السليم لهذا الورش، وتحد من فعاليته في ضمان الإنصاف الصحي.
وتشمل هذه الاختلالات، حسب المصدر ذاته، صعوبات الولوج الرقمي للتسجيل في خدمات النظام يعجز عدد كبير من المستهدفين (الحرفيين التجار العاملين لحسابهم الخاص…) عن التسجيل عبر المنصة الرقمية بسبب ضعف الكفايات الرقمية، ما يدفعهم إلى الاستعانة بخدمات وسطاء غير مؤهلين، ينتج عنها إدخال معطيات خاطئة أو استغلال بياناتهم، مما يؤدي إلى حرمانهم من الاستفادة.
وسجل التقرير ذاته عدم ملاءمة قيمة الاشتراكات مع القدرة الاقتصادية للفئات المعنية تحدد هذه القيمة وفق معدلات موحدة لا تعكس التفاوت في الدخل، خاصة لدى المهن ذات الدخل المتقلب أو المحدود، مما يجعلها عبئا ماليا يصعب تحمله، ويدفع بعض المعنيين إلى الانسحاب من النظام أو عدم الانخراط فيه أصلا،
وارتباطا بالتأثير غير العادل لمؤشر الاستهداف، أكد التقرير أن اعتماد بعض المؤشرات في تصنيف الأسر، كنوعية الأغراض المملوكة أو التجهيزات المنزلية…)، أدى إلى حرمانها من الاستفادة من هذا البرنامج رغم هشاشتها الفعلية، وهو ما يطرح سؤال عدالة المنهجية المعتمدة في تحديد الأحقية في الاستفادة.
ورصد المصدر ذاته غياب التحقق الفعلي من مزاولة النشاط، حيث طلب من عدد من الأشخاص المنتمين للقطاع الفلاحي أداء متأخرات الاشتراك للاستفادة من النظام دون وجود آليات تحقق دقيقة بشأن مزاولتهم الفعلية لهذا النشاط، ما ينم عن خلل في مسطرة الاستهداف والتصنيف المهني. كما سجلت المؤسسة حالات استخدم فيها الدعم الاجتماعي المباشر لأداء اشتراك التأمين الصحي، مما يفقد الدعم جدواه ويثقل كاهل المستفيدين.
هذه الاختلالات، حسب تقرير مؤسسة الوسيط”، تعيد إلى الواجهة الحاجة إلى إعادة النظر في هندسة الاستهداف، وتبسيط مساطر الانخراط وتوفير مواكبة رقمية للفئات الهشة، مع الحرص على ضمان إنصاف اجتماعي حقيقي يراعي الأوضاع الواقعية للفئات المستهدفة.