تضع التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط الاقتصاد المغربي أمام اختبار جديد، بعد الارتفاع السريع الذي سجلته أسعار النفط خلال أيام قليلة، وما رافقه من مخاوف بشأن اضطراب محتمل في الإمدادات الطاقية.
ويرى الخبير الاقتصادي محمد جدري، في تصريح لموقع “كيفاش”، أن انتقال سعر برميل النفط من حوالي 60 دولارا إلى نحو 78 دولارا في ظرف يومين فقط، يطرح تساؤلات جدية حول قدرة المملكة على احتواء الصدمة، خاصة إذا تجاوز السعر عتبة 100 دولار.
تأثير لا يقف عند المحروقات
واستحضر جدري تجربة 2022، التي وصفها بغير البعيدة، حين تجاوزت الفاتورة الطاقية للمغرب 15 مليار دولار، ما شكل ضغطا كبيرا على التوازنات المالية.
وأكد أن التأثير لا يقتصر على أسعار المحروقات فقط، بل يمتد إلى قطاعات النقل والصناعة والبناء، لينعكس في نهاية المطاف على أسعار المواد الاستهلاكية.
وأوضح أن الخطر لا يقف عند حدود الوقود، بل يشمل أيضاً المواد الأولية المرتبطة بالطاقة في إنتاجها ونقلها، مثل الحديد والألمنيوم والإسمنت، ما قد يعيد منحنى التضخم إلى الارتفاع، بعد أن بدأ يستقر نسبياً مقارنة بذروة 2022 التي بلغت 6.6 في المائة.
مضيق هرمز.. نقطة الاختناق العالمية
وفي هذا السياق، شدد جدري على أن التأثير المحتمل على الاقتصاد المغربي يظل رهيناً بمدة استمرار التوتر، موضحاً أن أي ارتفاع ظرفي يمكن امتصاصه، لكن استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة سيترجم حتماً إلى ضغوط تضخمية إضافية، وإلى ضغط على احتياطي العملة الصعبة.
كما أكد أن المغرب يتأثر بشكل مباشر بأي اضطراب في السوق الدولية، وأن أي ارتفاع طويل الأمد في الأسعار يعني بالضرورة زيادة في فاتورة الاستيراد، وانعكاساً على الأسعار الداخلية، وبالتالي على القدرة الشرائية للأسر.
ويرتبط جزء كبير من القلق بتهديد حركة العبور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل يومياً، ما يمثل نسبة مهمة من الإمدادات العالمية.
وأشار جدري إلى أن إيران تضخ في الأسواق ما يقارب 3.1 ملايين برميل يوميا، وأن أي تعطّل في هذا الشريان البحري أو في الإنتاج، حتى وإن كان جزئياً، قد يطلق موجة مضاربات حادة، ترفع الأسعار بشكل سريع، وتزيد من كلفة الشحن والتأمين على الناقلات.
تدخل استباقي مطلوب
واعتبر الخبير الاقتصادي أن الحكومة مطالبة، في مثل هذه الظروف، بتفعيل آليات اليقظة الاستباقية، سواء عبر تنويع مصادر التزود، أو التحكم في كلفة الدعم غير المباشر، أو تسريع وتيرة الانتقال الطاقي لتقليص التبعية الخارجية على المدى المتوسط.
ورغم أن المغرب لا يتحكم في اتجاهات السوق الدولية، فإن هامش المناورة الداخلي يظل حاسماً. فتدبير المخزون الاستراتيجي، ومرونة السياسة المالية، واستقرار المنظومة البنكية، كلها عوامل يمكن أن تخفف من حدة الصدمة.
في النهاية، يبقى عامل الزمن هو المحدد الأساسي، إذ أنه كلما كانت مدة التوتر قصيرة، كان التعافي أسرع وأقل كلفة على الاقتصاد الوطني.