منذ اعتلائه العرش سنة 1999، قاد جلالة الملك محمد السادس تحولا عميقا عميقا في السياسة الخارجية للمملكة أساسه الحكمة والرؤية البعيدة المدى في دبلوماسية تعتمد على وضوح المواقف وتنويع الشراكات، بما يخدم المصالح العليا للوطن.
وفي مقدمة أولويات الدبلوماسية المغربية، تبرز قضية الصحراء المغربية التي شهدت زخما غير مسبوق في عهد جلالة الملك، بفضل تحرك دبلوماسي فعال ومنسق، فقد نجح المغرب في حشد دعم دولي متزايد لمبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي وذي مصداقية.
دبلوماسية استباقية
وفي تصريح لموقع “كيفاش”، قال محمد سالم عبد الفتاح، المحلل السياسي ورئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، إنه “منذ تولي جلالة الملك محمد السادس مقاليد الحكم، دخل ملف الصحراء المغربية منعطفا استراتيجيا حاسما، تجاوز من خلاله المغرب مرحلة الدفاع وتدبير الأزمة إلى منطق المبادرة واستباق التطورات التي يشهدها الملف والمنطقة، عبر رؤية ملكية واضحة ترسخ مبدأ السيادة الوطنية بمفهومها الشامل، وتؤسس لترافع عقلاني وممنهج متعدد الأبعاد”.
وأبرز سالم عبد الفتاح، أن “عهد جلالة الملك محمد السادس تميز ببناء تراكمي رصين مكن المغرب من تثبيت حضوره في هذا الملف على المستوى الدولي، وتغيير ميزان القوى المرتبطة بالنزاع المفتعل بشكل عميق، إذ لم يعد المغرب يكتفي بردود الأفعال، بل صار يؤثر في مسار الملف ويفرض مرجعيات الحل، على رأسها مبادرة الحكم الذاتي التي أضحت الخيار الواقعي الوحيد المطروح على طاولة التسوية”.
ويرى المحلل السياسي، أنه “في ظل هذه الدينامية الملكية، تحولت قضية الصحراء إلى المحدد الرئيسي للدبلوماسية المغربية باعتبارها مركز السياسة الخارجية المغربية، حيث باتت الدبلوماسية المغربية أكثر تماسكا وفاعلية، وفق ما عبر عنه جلالة الملك في أكثر من مناسبة”.
اعترافات تاريخية
وسجل سالم عبد الفتاح، أن “هذه المقاربة الدبلوماسية الملكية إلى تسجيل اختراقات غير مسبوقة، من خلال اعترافات أهم القوى الدولية بمغربية الصحراء، أبرزها الاعتراف الأمريكي التاريخي سنة 2020، إضافة إلى التحول الجذري في موقف إسبانيا باعتبارها القوة الاستعمارية السابقة للإقليم، ثم انضمام قوى وازنة مثل فرنسا، ألمانيا وهولندا وبلجيكا…، إلى دعم المقترح المغربي، إلى جانب إعلان تأييد صريح من طرف عدد متزايد من الدول الإفريقية والآسيوية والأمريكولاتينية”.
وسجل المتحدث ضمن التصريح ذاته، أن “هذه الدينامية توجت بافتتاح أكثر من ثلاثين قنصلية في مدينتي العيون والداخلة، وهو ما يكرس الواقع القانوني والسياسي للصحراء كمكون ترابي سيادي لا رجعة فيه ضمن السيادة المغربية”.
دينامية تنموية في الأقاليم الجنوبية
وأبرز رئيس المرصد الصحراوي لحقوق الإنسان، أن “التحولات الكبرى لم تقتصر على الجانب الدبلوماسي والسياسي، بل امتدت لتشمل المجال التنموي، حيث أطلق جلالة الملك أوراشا كبرى في الأقاليم الجنوبية، همت البنية التحتية، من تهيئة حضرية ومرافق خدمية وتأهيل للسلحل وتثمين للمنتح المحلي، ضمن النموذج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية الذي رصدت له المملكة اعتمادات مالية معتبرة، مما جعل من هذه الأقاليم أحد أكثر الأقاليم نموا وازدهارا في القارة الإفريقية”.
ولفت المحلل والحقوقي، إلى أنه “تم ترسيخ إدماج ساكنة الأقاليم الجنوبية المدني والمؤسساتي عبر تكريس آليات الديمقراطية المحلية، من خلال تعزيز الجهوية الموسعة، وضمان انخراط أبناء الصحراء في مؤسسات الدولة، وهو ما شكل ردا عمليا على مزاعم الخصوم بشأن تمثيلية الساكنة الصحراوية”.
وفي السياق ذاته، شدد سالم عبد الفتاح، على أن “الاستحقاقات الانتخابية في المنطقة أفرزت نخبا صحراوية منتخبة بشكل حر وشفاف، تؤدي أدوارها بكل مسؤولية داخل الهيئات المنتخبة سواء على مستوى جهوي أو وطني بكل كفاءة واقتدار، ما يعكس الاندماج الكامل والمشروع لسكان الأقاليم الجنوبية في دينامية الدولة المغربية”.
وأكد عبد الفتاح، على أن “ما تحقق في عهد جلالة الملك محمد السادس على مستوى ملف الصحراء لا يمكن اختزاله فقط في النجاحات الدبلوماسية والتنموية، بل يتجسد أيضا في تكريس الإجماع الوطني حول أولوية القضية، وفي قدرة الدولة المغربية على التأثير في المحافل الدولية، وصياغة خطاب سيادي متماسك، وفتح جبهات ترافعية فعالة”.
وخلص الخبير إلى أنه “مع توالي الانتصارات، وتراجع الأطروحة الانفصالية، وتزايد عزلتها الإقليمية والدولية، يمكن القول إن عهد جلالة الملك قد نقل القضية من خانة النزاع المفتوح إلى أفق الحل الحاسم، على قاعدة الحفاظ على الوحدة الترابية للمملكة واحترام سيادتها على كامل التراب المغربي بما في ذلك الأقاليم الجنوبية”.