• في ليلة رباعية الأسود.. “فان زون” فاس تستقطب 15 ألف مشجع ومشجعة
  • رحيمي: ردي على الانتقادات كان داخل الملعب
  • رئيس الحكومة يعلن خبرا سارا للمغاربة: العودة إلى توقيت غرينيتش ابتداء من متم الصيف الحالي
  • رحلة المونديال.. السفارة المغربية تصدر دليلا للمسافرين إلى المكسيك
  • البطولة الاحترافية.. نهضة بركان يواجه الجيش الملكي في قمة الدورة 27
عاجل
الأربعاء 03 ديسمبر 2025 على الساعة 18:00

“الرْفِيس” المشبوه.. مؤثرون “يقامرون” بمصير القاصرين

“الرْفِيس” المشبوه.. مؤثرون “يقامرون” بمصير القاصرين

محمد محلا

خلف الشاشات، وفي غفلة من الآباء والأمهات، أطفالٌ ومراهقون، طيلة اليوم، وخصوصا في ساعات متأخرة من الليل، ينغمسون في عالم لا علاقة له بالبراءة التي يسوّقها صنّاع الترفيه. يكونون عرضة للسقوط في فخّ مغّلف بابتسامات المشاهير وصراخ الحماس المفتعل، حين يتحول البث المباشر من مساحة للتواصل واللعب إلى طاولة قمار مفتوحة، تستدرج جيلا كاملا نحو الإدمان الصامت. هنا تسقط الحدود بين المتعة والمخاطرة، ويصبح “الرْفِيس” عنوانا لمرحلة يبيع فيها المؤثرون مستقبل متابعيهم القاصرين مقابل حفنة من المال أو العملات الرقمية، في مشهد سريالي “يرقص” فيه الضحك على حافة “الهاوية”.

لم يعد صانع المحتوى في هذه المعادلة الجديدة مجرد مبدع يبحث عن جمهور، بل تحوّل إلى مكعب “نرد” في آلة ضخمة تديرها كبريات منصات القمار العالمية، مستغلة الثغرات القانونية، والرغبة في الربح السريع، لاختراق البيوت الآمنة دون استئذان، أو رقابة. ما يحدث اليوم على منصة “كيك Kick” ليس مجرد ظاهرة عابرة، بل هو استراتيجية ممنهجة حوّلت البث الرقمي إلى كازينو افتراضي يُشرعِن المقامرة ويُطبّع معها كجزء من الحياة اليومية، جاعلا من البث المباشر “المشبوه” عقيدة تجارية تقتات على سذاجة الحالمين بالربح السهل، وتضع المجتمع برمته أمام قنبلة موقوتة تهدد الأمن النفسي والمالي لقاصرين وشباب في مقتبل العمر.

البث المشبوه

وسط موجة الترفيه التي تبدو بريئة على منصات البث المباشر الجديدة، يتوارى واقع أكثر خطورة. الشروط السخية التي تقدمها منصة “كيك Kick” لفيديوهات المؤثرين ليست مجرد تحفيز للترفيه، بل بوابة تفتح الطريق مباشرة نحو عالم المقامرة الرقمية. هذا ما يؤكده أندري زانيسكو، أستاذ مساعد في جامعة كونكورديا وباحث في سلك الدكتوراه في دراسات التواصل، الذي يشير إلى العلاقة البنيوية بين المنصة وموقع الكازينو الإلكتروني “ستايك Stake”. هي علاقة، في نظره، لا تبدو عابرة، بل تؤكد أن المنصة ليست وسيلة بثّ فقط، بل أداة تسويقية موجهة أساسا لاستقطاب المستخدمين، خصوصا الشباب والقاصرين، نحو عالم قمار شديد الخطورة.

لننطلق من البداية. تأسست منصة “كيك” على يد الفريق نفسه الذي أطلق “ستايك”، وهو واحد من أشهر مواقع الكازينوهات الإلكترونية في العالم، ما يجعل فرضية الاستخدام الترويجي أمرا يطرح تساؤلات كبيرة. وتبدو هذه الاستراتيجية واضحة من خلال العروض المالية الضخمة التي تقدمها المنصة لصنّاع المحتوى، إذ تقتطع نسبة 5 في المائة فقط من أرباحهم، مقارنة بمنصات أخرى مثل Twitch، التي قد تحتفظ بـ50 في المائة، أو يوتيوب التي تبقى الأرباح المحصلة من خلالها ضعيفة في المغرب. هذا النموذج الاقتصادي لا يحفز الإبداع فقط، بل يغري المؤثرين لجذب متابعين أكثر، ما يرفع احتمالات جرّ الجمهور نحو المقامرة باعتبارها جزءا من محتوى “المتعة”.

ويقدّم أندري زانيسكو، الذي أنجز دراسات عن ألعاب الفيديو ومنصات البث المباشر، تفصيلا أدق لهذه العلاقة في حديث مع موقع “كيفاش”، مؤكدا أنها ليست علاقة “شركة أُم وشركة فرعية” كما يعتقد البعض، بل أشبه بـ”مشروع تجاري مشترك” تلتقي فيه المصالح والملكية.

فالشركتان مملوكتان لنفس المجموعة ( Ed Craven وBijan Tehrani) عبر مجموعة “Ashwood Holdings”. كما تشير Forbes Australia إلى أن “ستايك” تُعدّ ممولا مباشرا لـ”كيك”، ما يمنح العلاقة طابعا تكامليا واضحا.

بحسب زانيسكو، فإن نموذج عمل “كيك”، “متداخل بشكل كبير” مع الترويج لمحتوى القمار بالعملات المشفرة على “ستايك”، إلى درجة أن فئة “ماكينات القمار” احتلت المركز الثاني في المشاهدات، مع حضور كثيف لشعار موقع المقامرة المذكور داخل البث. والأخطر أن ستريمرز عالميين مثل Nickmercs أكدوا منذ 2023 أن “القمار جزء من العقد”، وأن المنصة تشترط عليهم إجراء مقامرات علنية أمام الجمهور.

وفي تحليلها لتبادل الأدوار هذا، ترى هبة بقاش، دكتورة في التسويق الرقمي، أن بعض منصات البث المباشر لا تُعد منتجا نهائيا، بل هي مجرد نقطة عبور ضمن خطة تسويقية أوسع تهدف إلى اصطياد الجمهور. وتعتبر بقاش أن العروض المالية السخية التي تقدمها المنصات للمؤثرين تندرج ضمن استراتيجية استثمارية تقبل بالخسارة المؤقتة من أجل بناء قاعدة مستخدمين ضخمة، حيث يتحول المؤثر في هذه المعادلة إلى مجرد أداة لاستقطاب المتابعين نحو نظام بيئي مغلق، يتم فيه تحويل انتباه الجمهور لاحقا إلى عوائد مادية عبر قنوات أخرى، في خطة ذكية للسيطرة على السوق واحتكار عادات المستخدمين، قبل الانتقال إلى مرحلة جني الأرباح الحقيقية.

وتضيف الخبيرة في التسويق الرقمي: “باختصار، نحن نشهد منطقا تلعب فيه المنصة دورَ منتج نداء استراتيجي، ضمن خطة استحواذ طويلة الأمد، وهي نموذجية لما يسمى بالمنصات ذات الوجهين: جذب جانب واحد من السوق أولا (هنا، المؤثرون)، لتحقيق الربح لاحقا من الجانب الآخر (المعلنون، العلامات التجارية، أو المستهلكون النهائيون)”.

قمار وسط الضحك

ويشتغل “كيك” على إدماج المقامرة داخل المحتوى بطريقة تجعله جزءا من “الترفيه الطبيعي”، عبر تعاقدات تُحتم على المؤثرين إظهار المقامرات في بثهم، ما يجعل أي مؤثر مغربي يدخل المنصة ينخرط، تلقائيا، في آلية ترويجية مبنية على نموذج تعاقد عالمي، لا على اجتهاد شخصي محلي.

في حالتنا المغربية، اشتعل الجدل مع دخول مؤثرين معروفين إلى عالم “كيك”، حيث يتم تداول الحديث عن مبالغ ضخمة يتلقونها مقابل جذب المشاهدين المغاربة، وبأرقام مشاهدات ضخمة، حتى احتلّ أحد المؤثرين المغاربة المرتبة الأولى عالميا. عقود سنوية، ومبالغ عن عدد ساعات البث، ورعاية مباشرة، والترويج للمقامرة في العلن والخفاء.

مؤخرا، أقدم المؤثر المغربي ياسين بوكصعة على تنظيم مقابلات كرة قدم ظهر خلالها شعار الشركة العالمية للقمار التي تقف خلف “كيك” مطبوعا على القمصان. ولم يكتف بذلك، بل ربط حسابه بشكل مباشر بصفحات “ستايك”.


وجّه موقع “كيفاش” استفسارات مباشرة إلى صانع المحتوى بوكصعة، تتعلق بتورط منصة “كيك” في الترويج للقمار عبر إعلانات “ستايك”. وتضمنت رسالة الموقع تساؤلات حول ظهوره الموثّق بمقاطع وصور وهو يرتدي أقمصة تحمل شعار منصة المقامرة خلال مباريات ودية نُظمت داخل المغرب، مستفسرة عن موقفه من الإشكالات القانونية والأخلاقية لهذا الترويج، خاصة فيما يتعلق باستهداف القاصرين، وعما إذا كان يربطه عقد رسمي مع الموقع المذكور. ورغم إفساح المجال أمام توضيحاته، إلا أن المعني بالأمر لم يتفاعل مع الأسئلة، ولم يقدم أي رد حتى لحظة النشر.

في السياق نفسه، يبرز مؤثر آخر خارج البلاد باعتباره من أكثر المروجين لموقع “ستايك” عبر “كيك”، وآخر داخل المغرب يظهر وهو يقامر على المباشرة في لعبة تبدو بسيطة وبسخريته المعتادة التي تصل بسرعة إلى الشباب، في مشهد يعكس حملة ممنهجة تستهدف الجمهور اليافع. الأكثر من هذا، وفي مشهد غريب، قال أحد المؤثرين أنه أرسل والدته لتأدية مناسك العمرة بأموال “ستايك”.

يحكي مصدر موثوق لموقع “كيفاش”، طلب عدم الإفصاح عن هويته، أن مداخيل المؤثرين داخل منصة “كيك Kick” تتفاوت بشكل كبير، إذ تُحدد المبالغ الممنوحة لكل مؤثر بناء على عدد متابعيه ونشاطه في المنصة. تبدأ هذه المبالغ من 500 درهم للساعة الواحدة، ويمكن أن تصل بالنسبة لبعض المؤثرين إلى أكثر من 3000 درهم في الساعة. ويضيف المصدر: “لذلك ترى أن البعض يمضي ليلة كاملة في البث المباشر. تصوَّر أنه في ليلة واحدة يمكن أن يجني المؤثر على الأقل 5 آلاف درهم، بغض النظر عن التعاملات مع شركات الألعاب، الخاصة بكرة القدم وأخرى معروفة مثل (GTA)، بالإضافة إلى تورط علامات تجارية بوضع منتجاتها أمام المؤثرين خلال البث”.

وبشأن علاقة منصة “ستايك” بالأمر، فإنه يحيل إلى “مستوى آخر”، بحسب المتحدث، الذي يضيف: “في حال أراد المؤثر إقحام المقامرة بمنصة ستايك في البث، فالمبالغ تتضاعف بشكل كبير”. ويختتم المصدر حديثه بالقول: “حاليا، هناك أخبار يتداولها المؤثرون مفادها أن حضور منصة “كيك” في المغرب يقترب من الانتهاء، لذلك نرى ما يسمى بـ”الرْفِيس” (وتعني بلغة المؤثرين؛ جمع أكبر قدر من الأموال في وقت قصير ودون خطوط حمراء)، وهو ما يفسر هذا التهافت في إظهار العلامة التجارية لمنصة المقامرة، ليس فقط في الفضاء الافتراضي، بل على أرض الواقع، وبارتباط مع كرة القدم والوهج الذي تحققه في السنوات الأخيرة”.

الترفيه الملغوم
هذه العمليات المدروسة تستغل هشاشة فئة واسعة من الشباب، بل وحتى القاصرين، الذين يجدون أنفسهم وسط محتوى ترفيهي داخل مواقع التواصل الاجتماعي يتضمن رسائل خفية تشجع على المقامرة. فالمقاطع التي يظهر فيها المؤثرون وكأنهم يتسلون بالرهان ليست عفوية، بل مواد معدّة بعناية لتبسيط القمار وإضفاء طابع المرح عليه، وهو ما يجعل الفعل يبدو عاديا وغير ضار، وخصوصا حين توزع مقاطع من البث المباشر لـ”كيك”، التي تتضمن مقامرات في “ستايك”، ودون ذكر علامة هذه الأخيرة، على منصات التواصل الاجتماعي الأخرى.

في هذا السياق، يكشف أيوب مفتاح الخير، متخصص في وسائل التواصل الاجتماعي، في تصريح لـ”كيفاش”، أساليب وحيل يستعملها المؤثرون لجلب المشاهدات، وخصوصا بين القاصرين، موضحا: “يستعمل المؤثرون في مواقع التواصل الاجتماعي مجموعة من الأساليب المدروسة مسبقا لجذب فئة الشباب والأطفال إلى فكرة المقامرة، واستقطاب “لاعبين” جدد، إذ يعرضون مقاطع تظهرهم وهم “يلعبون ويربحون” بطريقة تبدو عفوية وممتعة، وتقدم نموذجا للربح السريع والسهل، ما يضفي على المقامرة طابع التسلية، ويبعد عنها صورة أنه نشاط مقيّد قانونيا يحدد سنا أدنى للمشاركة ويضبط قواعد الإشهار”.

ويضيف مفتاح الخير أن هؤلاء المؤثرين يستغلون المحتوى الترفيهي المباشر Stream، أو المقاطع المعدة مسبقا، ويضيفون إليها لقطات افتتاحية تشويقية، أو ما يسمى بـ”الهوك”، ثم فاصلا مرئيا يقدمه صانع المحتوى يدعو فيه إلى المقامرة على منصات عالمية مخصصة لهذا الغرض، بعضها لا يتوفر على أي ترخيص لمزاولة نشاطه داخل المغرب. ويُرافق ذلك غالبا بتحفيزات، مثل رموز التخفيض التي تمنح اللاعب مكافآت أولية، وتدر في الوقت نفسه أرباحا على صاحب الرمز، يقول المتحدث.

في المقابل، يشير زانيسكو إلى أن أخطر تأثيرات هذا النوع من المحتوى هو “التطبيع مع المقامرة”، أي إدماج الرهانات الصغيرة تدريجيا داخل عادات المشاهدة اليومية، حتى تصبح “عادة” لدى الشباب والقاصرين. ويقول الباحث: “المؤثرون يقامرون بمبالغ ضخمة ويُظهرون أرباحا جذابة دون أي حديث عن الخسائر أو الإدمان، وهو ما يجعل الأطفال والمراهقين يطوّرون تصوّرا زائفا عن القمار باعتباره لعبة ممتعة لا مخاطر فيها”. الأخطر، حسب زانيسكو، أن “كيك” و”ستايك” منصتان “فوق وطنية”، تعملان خارج الأطر القانونية في دول مثل كندا والولايات المتحدة وأستراليا (وفي المغرب أيضا)، بينما تعرض محتوى المقامرة للقاصرين الذين يُفترض حمايتهم منها قانونيا”.

ومع غياب الوعي العام بمخاطر المقامرة الإلكترونية واستهلاك “الريلزات” بلا رقيب، يصبح الجمهور الناشئ عرضة لخطر الإدمان والخسائر المالية، إضافة إلى أضرار نفسية ترتبط بالتوتر والانعزال والاكتئاب، مع محاولات متتالية للبحث عن تعويض الخسارات.

ويحذر زانيسكو من أن عرض القمار على القاصرين يحدث في “مرحلة عمرية حرجة”، حيث لا يمتلك الأطفال والمراهقون أدوات الحماية النفسية لفهم الخطر، فـ”المنصة تُظهر القمار كفعل مرح، ومربح، بينما تخفي الخسائر والإدمان، ما يخلق مستوى مرتفع من “الانجذاب غير الواعي”للمخاطرة، خصوصا إذا جاءت عبر مؤثرين محبوبين”.

“الرْفِيس” المشبوه

ويذهب زانيسكو أبعد من ذلك، موضحا أن “كيك” و”ستايك” تستفيدان من موقعهما القانوني المختلف، حيث يقول إن “كيك مسجلة في أستراليا، بينما ستايك في كوراساو، إحدى أشهر الملاذات الضريبية”. هذا الفصل المؤسسي يسمح لهما، حسب الباحث، بـ”تجنب الرقابة المباشرة، لأنها تُجزئ الأنشطة المالية بحيث تصبح خارج الولاية القانونية الوطنية لعدة دول. ويشير، في السياق نفسه، إلى أن المدفوعات الضخمة التي يتلقاها “الستريمرز” عبر العملات الرقمية تجعل إمكانية التهرب الضريبي أو تبييض الأموال مسألة واردة بقوة، وإن كان يؤكد أن التحليل القانوني المتخصص قد يقدم صورة أدق.

ويزداد هذا القلق حين نبحث في الطريقة التي يتلقى بها المؤثرون عمولاتهم. وحسب مصدر “كيفاش” من وسط مؤثري “كيك”، يكون أغلبها عبر تحويلات بعملات رقمية، ما يفتح باب التأويلات حول سهولة تبييض الأموال والتهرب الضريبي. التحويلات الرقمية الضخمة، التي يصعب تتبعها، غالبا، تُسَهِل إخفاءها أو تجاوز الآليات الرقابية والضريبية، وهو ما نبّهت إليه مؤسسات رسمية سابقا، وخصوصا بنك المغرب.

وكشف المصدر نفسه أن عملية تحويل الأموال تتم عبر منصة “بينانس” (Binance) الشهيرة، والتي تعد أكبر منصة عالمية لتداول العملات المشفرة من حيث حجم التداول. وتتيح المنصة لمستخدميها شراء وبيع مجموعة واسعة من العملات الرقمية قانونيا، بما في ذلك عملتها الخاصة المعروفة باسم “بينانس كوين ” (BNB).

وفي سياق متصل، أماط مصدر “كيفاش” اللثام عن طريقة تحويل هذه العملات المشفرة إلى أموال نقدية حقيقية، حيث أوضح: “التحويلات تتم عبر بينانس، لكنها تتحول إلى درهم ودولار أيضا بقدرة قادر”. وأضاف: “هناك مجموعة من المتداولين وحرفيي التجارة الإلكترونية يحتاجون إلى عملات رقمية في تعاملاتهم الدولية، وهنا يتواصلون مع المؤثرين لتحويل العملات المشفرة إلى أموال “كاش” تُسلَّم على الطاولة”.

وردا عن سؤال حول ما إذا كانت هذه العملية تشكل نوعا من أنواع تبييض الأموال أو يُشبه فيها ارتكاب جريمة التهرب الضريبي، كان جواب المتحدث قاطعا: “إذا لم تكن تبييض أموال وتهربا ضريبيا، فماذا يمكن تسميتها؟ هذا تحديدا هو “الرْفِيس” الذي تحدثنا عنه”.

وفي سياق البحث عن الحقيقة من مصادرها، وجه موقع “كيفاش” مراسلة رسمية إلى إدارة منصة “كيك”، تتضمن استفسارات دقيقة حول الاشتباه في تورطها في الترويج غير المباشر لموقع المقامرة “ستايك” داخل المغرب عبر المؤثرين، ومدى قانونية هذا النشاط الذي يستهدف فئات شابة وقاصرين. كما تضمنت الأسئلة طلبا لتوضيح طبيعة وجود المنصة في المغرب، وهل تملك أي تمثيل قانوني، إضافة إلى استفسار جوهري حول قنوات الدفع المستخدمة لصرف مستحقات المؤثرين، وما إذا كانت تتم عبر العملات المشفرة للتهرب من الرقابة المالية. ورغم إخبار بمضمون التحقيق لتمكينهم من حق الرد، إلا أن موقع “كيفاش” لم يتلقَّ أي جواب أو توضيح رسمي.

تحيين القانون

ويُرجع بنك المغرب، عبر بوابته الإلكترونية، موقفه الحذر من العملات الرقمية إلى دافعين أساسيين، يهددان استقرار الدولة المالي وأمنها، حيث يبرز في مقدمة المخاوف الاستخدام غير المشروع أو الإجرامي لهذه العملات، الذي قد يرتبط بأنشطة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، نظرا لطبيعة التعاملات اللامركزية. وإضافة إلى ذلك، يؤكد البنك أن التعامل بها يشكل خرقا صريحا للقوانين الجاري بها العمل في المملكة، وتحديدا ما يتعلق منها بقانون الصرف وأسواق الرساميل، الأمر الذي يضع السيادة النقدية تحت التهديد ويتطلب إطارا قانونيا محكما قبل السماح بتداولها.

وفي هذا الصدد، يرى ياسين ميحو، خبير في التسويق الرقمي ومستشار في مجال العملات الرقمية مع منصات الكبرى للعملات الرقمية، في تصريح لموقع “كيفاش”، أن تقنين العملات الرقمية هو المدخل الرئيس لمحاصرة التجاوزات غير القانونية، معتبرا أن إخراج هذه المعاملات من السرية إلى العلن “سيضمن للدولة عائدات ضريبية ويوفر الحماية القانونية للمتعاملين”.كما كشف المتحدث أن النقاش حول قانون العملات المشفرة وصل مراحل متقدمة، مرجحا أن تبدأ إجراءات التنزيل الرسمي السنة المقبلة.

وعلى الرغم من أن المغرب سنّ قوانين حديثة لتنظيم عمل المؤثرين وتحديد واجباتهم الضريبية، وفرض أيضا ضريبة اقتطاع بنسبة 30 في المائة على أرباح المقامرة الإلكترونية في المواقع الأجنبية انطلاقا من يوليوز 2025، إضافة إلى استمرار منع التداول بالعملات الرقمية (في انتظار صدور قانون ينظمه)، إلا أن هذه الإجراءات تبدو غير كافية حتى الآن.

وفي قراءة قانونية للظاهرة، يرى محمد بندقاق، المحامي بهيئة الدار البيضاء، أن النصوص الحالية تقف عاجزة أمام ما سماه “الديناميكية المتوحشة للسوق الرقمية الموازية”، مشيرا إلى وجود فجوة تشريعية عميقة بين قوانين وضعت في حقبة ما قبل الإنترنت وواقع رقمي يعتمد التشفير والعملات الرقمية.

ويشدد بندقاق، في تصريح لـ”كيفاش”، على أن “حماية القاصرين تتطلب تجاوز نظام التصريح الذاتي بالسن عبر مربع الاختيار واستبداله بنظام تحقق إلزامي يربط حساب اللاعب ببطاقته الوطنية”، مقترحا الاستفادة من منصة الهوية الرقمية التي طورتها المديرية العامة للأمن الوطني لـ”تمكين المنصات من التحقق من سن المستخدم، باعتبار أن الأمر يتعلق بسيادة وطنية وأمن مجتمعي لا مجرد مسألة تقنية”.

المشهد يحتاج إلى مقاربة تشريعية جديدة وشاملة تركز على مراقبة التحويلات الرقمية وتجريم الترويج للمقامرة الإلكترونية عبر المنصات الموجهة للقاصرين، إضافة إلى تعزيز التعاون مع المؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا لتعقب التدفقات المشبوهة.

كل هذه المؤشرات تجعل التنبيه مشروعا في الحالة المغربية؛ لأنه خلف هذا الخليط من الترفيه والقمار الملغوم، والبحث عن المال السريع، تقف منظومة متكاملة تستهدف شبابا وقاصرين يسهل التأثير فيهم. هذا التنبيه يزداد إلحاحا كلما اتسعت دائرة التأثير و”الفكاهة” بما يسمى نسب المشاهدة، فكما يقول المثل المغربي مع بعض التعديل فيه: “وسط الضحك كين التقمار”.