كشفت المذكرة التوجيهية بشأن إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026، عن أربع أولويات كبرى سترسم ملامح مرحلة جديدة للاقتصاد الوطني السنة المقبلة.
وأكد الخبير الاقتصادي رشيد الساري، رئيس المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، أن مشروع قانون مالية 2026 يُشكل محطة مفصلية في مسار السياسات العمومية بالمغرب، ويأتي انسجاما مع التوجيهات الملكية في خطاب العرش لسنة 2025، إذ يعكس إرادة واضحة في إعادة توجيه بوصلة الاستثمار العمومي نحو تحقيق العدالة المجالية والاجتماعية، مع الحفاظ على توازن المالية العمومية وضمان استدامة النمو.
استثمار العدالة المجالية
وتابع المتحدث إن تخصيص 60% من الاستثمارات العمومية للمناطق القروية والجبلية ليس مجرد خيار تقني في توزيع الموارد، بل هو توجه استراتيجي يروم معالجة اختلالات تنموية تراكمت لسنوات، وإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المبنية على الخصوصيات المحلية والجهوية، بما يتيح للمناطق الأقل حظاً فرصاً متكافئة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي.
ويحضر البعد الاجتماعي بقوة في مشروع القانون من خلال توسيع الحماية الاجتماعية لتشمل قطاعات التعليم والصحة والسكن، وتفعيل السجل الاجتماعي الموحد كآلية لضمان استهداف فعّال وعادل للفئات المستحقة، مع هدف طموح يتمثل في إدماج 100% من الفئات الهشة ضمن منظومة التغطية الصحية بحلول نهاية 2026.
توسيع الحماية الاجتماعية
وفي السياق ذاته، يأتي رفع ميزانية التعليم والتكوين المهني بنسبة 12% مقارنة بسنة 2025 كمؤشر على استثمار الدولة في رأس المال البشري، عبر إحداث برامج تكوين جهوية متكاملة تتماشى مع حاجيات سوق الشغل المحلي، بما يسهم في تعزيز فرص العمل وتقليص نسب البطالة خاصة في صفوف الشباب.
ويولي المشروع اهتماماً خاصاً لتحديات الإجهاد المائي التي تزداد حدة بفعل التغيرات المناخية، إذ رُصد غلاف مالي يناهز 15 مليار درهم لمشاريع الماء، تشمل تحلية مياه البحر وإنجاز سدود صغيرة في المناطق الجافة، في خطوة تعكس وعياً استراتيجياً بأهمية الأمن المائي كشرط أساسي لاستمرار التنمية.
وعلى مستوى البنية التحتية، ينص المشروع على توسيع شبكة الطرق القروية بإضافة 2,500 كيلومتر جديدة، وتعزيز النقل المدرسي والصحي في المناطق النائية بنسبة 40% مقارنة بسنة 2025، وهي إجراءات تهدف إلى تحسين الربط الترابي وتيسير وصول المواطنين إلى الخدمات الأساسية.
تشغيل ودعم المقاولات
أما في مجال التشغيل، فيرصد المشروع إحداث 150 ألف فرصة شغل جديدة عبر برامج الإدماج الجهوي، إلى جانب تخصيص 20% من ميزانية الاستثمار لدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها رافعة أساسية للنمو الاقتصادي المحلي وخلق القيمة المضافة. ومن زاوية المالية العمومية، أوضح الساري أن المشروع يسعى إلى توسيع الوعاء الضريبي ليشمل أنشطة الاقتصاد الرقمي والعقارات غير المصرح بها، فضلاً عن إصدار سندات خضراء بقيمة 10 مليارات درهم لتمويل مشاريع مستدامة، في انسجام مع التوجه العالمي نحو الاقتصاد الأخضر وتقليص البصمة الكربونية.
وتستند توقعات الحكومة إلى تحقيق معدل نمو اقتصادي يبلغ 4.5% خلال سنة 2026، بفضل استمرار الدينامية في القطاعات غير الفلاحية، وتعافي قطاع البناء والأشغال العمومية، وتحقيق أداء قوي في قطاعات السيارات والطاقات المتجددة والسياحة والصناعات الغذائية، إضافة إلى المردودية المنتظرة من المشاريع الهيكلية الكبرى التي تعزز البنية التحتية الوطنية. وعلى مستوى المؤشرات الماكرو اقتصادية، يتوقع أن يتراجع عجز الميزانية إلى 3% من الناتج الداخلي الخام، مع ضبط معدل المديونية في حدود 65.8% بحلول نهاية السنة، وهو ما يعكس التزاماً واضحاً بضبط الحسابات العمومية وتفادي الانزلاقات المالية.
ويخلص الساري إلى أن مشروع قانون مالية 2026 ليس مجرد وثيقة مالية تقنية، بل هو خريطة طريق تحمل رؤية متكاملة لمغرب يسعى إلى تحقيق تنمية شاملة، تقوم على الاستثمار في الإنسان والمجال، وتوازن بين متطلبات العدالة الاجتماعية وضرورات النمو الاقتصادي، غير أن التحدي الحقيقي سيظل في قدرة الحكومة على التنفيذ الفعّال للمشاريع المبرمجة، وضمان استمرارية الإصلاحات الهيكلية التي من شأنها تمكين البلاد من مواجهة رهانات الحاضر واستحقاقات المستقبل بثبات وثقة.