تواجه السلطة القضائية في المغرب تحديا دستوريا وهيكليا كبيرا عند الحديث عن تنزيل مقترح الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، إذ أكد الدكتور محمد الهيني خلال ندوة حقوقية أن الانتقال من مرحلة الترحيب بالقرارات الأممية إلى مرحلة التفعيل يفرضُ إجراء تعديل دستوري يواكب التغييرات الترابية والإدارية الجديدة، فالسلطة القضائية تعد ركيزة أساسية من ركائز سيادة الدولة، مما يطرح إشكالية الموازنة بين الحفاظ على السيادة المركزية وبين منح مرونة قضائية ضرورية للأقاليم المستفيدة من الحكم الذاتي.
ويرى الخبير القانوني، خلال ندوة نظمتها “جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان”، حيث نوقش موضوع “مكانة السلطة القضائية والمحاكم في ظل مشروع الحكم الذاتي”، أن الحديث عن حكم ذاتي حقيقي وفعلي ومتقدم يقتضي بالضرورة الاعتراف باختصاصات قضائية جهوية، فلا يمكن الاكتفاء بقوانين المركز فقط لتدبير شؤون منطقة تتميز بخصوصية ثقافية واجتماعية فريدة، بل يجب سن قوانين جهوية تراعي طبيعة الإنسان الصحراوي وتعزز نجاعة القضاء.
محاكم متخصصة وعدالة القرب
وشدد على أن القضاء الجهوي يجب أن يكون جزءا لا يتجزأ من السلطة القضائية الوطنية، مع تمتع قضاة المنطقة بالضمانات الدستورية نفسها للاستقلالية والحقوق التي يتمتع بها نظراؤهم على الصعيدين الوطني والدولي.
وانتقل المتحدث لتشريح الواقع الحالي للتنظيم القضائي الذي وصفه بأنه لا يزال قاصرا عن مواكبة طموح الحكم الذاتي، منتقدا النقص الملحوظ في البنية التحتية للمحاكم في مدن مثل بوجدور وطرفاية والسمارة.
ودعا إلى القطع مع نظام “الغرف” التابعة لمحاكم الشمال، والمطالبة بإحداث محاكم إدارية وتجارية وأسرية قائمة الذات في الأقاليم الجنوبية، بالإضافة إلى مقترح تأسيس محاكم عقارية نظرا لأهمية الوعاء العقاري في تحريك عجلة الاستثمار والتنمية بالمنطقة، مع ضرورة إحداث محكمة استئناف ثانية لتخفيف الضغط وتجسيد سياسة القرب.
قضاء جهوي ومصداقية دولية
وشكل موضوع العدالة اللغوية حيزا مهما في تشخيص الوضع القائم، حيث اعتبر الهيني أن ولوج العدالة لا يتحقق بمجرد دخول بناية المحكمة بل بفهم المتقاضي للإجراءات والمساطر، مسجلا غيابا تاما لآليات الترجمة والتواصل باللغتين الأمازيغية والحسانية، وهو ما يضع المواطن الذي لا يتقن العربية أمام حاجز يمنعه من استيعاب حقوقه والدفاع عنها، مما يستوجب تأهيلا قانونيا للغات المحلية واعتمادها في التبليغ والترافع لضمان شروط المحاكمة العادلة واحترام الهوية المحلية.
ولم تقتصر المقترحات على البنية التحتية بل شملت الموارد البشرية، إذ تم التأكيد على ضرورة أن يكون القضاة والمحامون من أبناء المنطقة لضمان فهم أعمق للعقلية والثقافة المحلية، وفي خطوة جريئة اقترح المتحدث خفض النصاب القانوني المطلوب لتأسيس هيئات المحامين للسماح بإنشاء هيئات مستقلة في العيون والداخلة وفك الارتباط بهيئة أكادير، كما دعا إلى إحداث فروع لمحكمة النقض في الجنوب لتقريب أعلى درجات التقاضي من المواطن، وضمان تمثيلية قضاة الصحراء في المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة.
وختم المتحدث مداخلته بالتأكيد على أن تقديم نموذج قضائي جهوي متطور يحترم حقوق الإنسان ويضمن استقلالية القضاء هو السبيل الأمثل لإقناع المنتظم الدولي بمصداقية وجدية المقترح المغربي، معتبرا أن نجاح الحكم الذاتي رهين بتوفير عدالة قريبة من المواطن، تحمي الحقوق والحريات، وتعكس السيادة المغربية من خلال مؤسسات قوية وفاعلة وليست مجرد هياكل إدارية صورية.