ما إن سقط صاروخ على الدوحة حتى اهتزت الأرض تحت أقدام الإخوان قبل أن تهتز العمارات، كأنهم كانوا في سبات عميق، حتى جاءتهم “الطلقة السحرية” التي أيقظت فيهم فجأة روح الحماسة. والنتيجة؟ خطابات نارية، ودموع مصطنعة، وتهديدات لا تنتهي، وابتزاز “على عينك آ بنعدي”. أما الضحايا؟ فهم في الهامش، مجرد وقود لا يثير شهية البيانات ولا حرارة ميكروفونات الجزيرة.
الإسلاميون الذين يقدمون أنفسهم حماة المستضعفين، صبوا الوقود على سوريا وهي تحترق، ولم يروا اليمن إلا عبر خرائط نشرات الأخبار، ولا تهمهم مآسي لبنان. لكن حين أصاب الصاروخ الدوحة، صاروخ إسرائيل وقبله صاروخ إيران، فتحوا في لمح البصر حناجرهم للعويل، أو كما يقول المثل الدارج “ضرب البردعة يفيق الحمار”، كما لو أن لجام التحكم فيهم مربوط مباشرة بمركز القيادة في الدوحة.
ومن هذه الأصوات، خروج عبد الإله ابن كيران بتصريح فريد، موجها كلامه إلى الملوك والرؤساء: “أنتم مهددون في عروشكم، وإذا لم تحموا الشعوب سينحل الميثاق، وستبحث الشعوب عن حل آخر”…
ويا للعجب! قصف على الدوحة يتحول فجأة إلى درس في سقوط العروش وانحلال المواثيق! هل هي نبوءة سياسية؟ أم مجرد محاولة يائسة من زعيم سابق ليستعيد مجدا غابرا؟ أم رسالة للضغط؟
الحقيقة أن ابن كيران لم يوجه سهامه إلى الخارج بقدر ما أرسلها لبلده بدرجة أولى، ولحسن الحظ هو بلد محصن من “فراقشية” السياسة.
لنتوقف قليلا للفهم. المغرب اختار منذ سنوات أن يبني سياسته الخارجية على التوازن والعقلانية، محافظا على مسافة مع كل المحاور، كما اختار داخليا أن يقيم مسافة بين الأحزاب جميعا، فلا مهيمن ولا مُستأثر. هذه العقلانية أطاحت بالإسلاميين بعد ولايتين من قيادة الحكومة، ودفع الشعب بابن كيران وحزبه إلى هامش اللعبة السياسية.
غير أن الرجل لم يستسغ الأمر قط، وبقي منذ ذلك الحين يتأرجح بين دور “الزعيم الضحية” ودور “الواعظ السياسي”، مستخدما كل مناسبة لإرسال رسائل ملغومة، حتى لو كانت على حساب بلده.
إن خطاب ابن كيران اليوم ليس إلا ابتزازا جديدا للدولة نفسها التي كان بالأمس الداعم الأول لقراراتها، الدولة التي حمت استقرار المغرب وفتحت أمامه أبواب الحكم، هي ذاتها التي بات يتهمها ضمنا بالعجز عن حماية الشعوب.
وهكذا يتحول القصف على قطر إلى فرصة ذهبية لرجل فقد مكانه في المشهد السياسي، فراح يعيد تسويق نفسه بصفته آخر “الفرسان” الذين يتجرأون على الحديث عن “الميثاق” و”العروش”.
المفارقة الصارخة في كل هذا وذاك، هي أن زعيم المصباح انتقل من دور “الإطفائي”، حيث كان يقدم نفسه كضامن للاستقرار أيام الربيع العربي، إلى دور “حامل الحطب” ومضرم النيران، باحثا عن شرارة جديدة تُعيده ضوء مصباحه. لكن عليه التفكّر، لأن ضوء النار حارق أكثر منهم منير.
الحقيقة التي لا يريد أن يراها الرجل هي أن المغرب لم يسقط ميثاقه، ولم يفقد توازنه. وأن الدولة بمؤسساتها اختارت طريق العقلانية والسيادة، بينما اختار هو أن يظل أسير خيوط الدوحة، كدمية ترفض الاعتراف بأنها أُخرجت من المسرح.
ومن المؤسف حقا أن الرجل الذي لفظه الشعب اختار أن يعود إلى الساحة من “صندوق” الدوحة، لا من “صناديق” الرباط.