يوسف بصور
كان المشهد غريبا ومثيرا لسيل لا ينقطع من الأسئلة. الكاف أعلن عن نفاد تذاكر جميع مباريات المنتخب الوطني المغربي في الدور الأول من كأس إفريقيا للأمم، وكذا مباريات المنتخب الجزائري بسبب الإقبال الشديد عليها، لكن المفاجأة تمثلت في بقاء ما يناهز 10 آلاف مقعد فارغة في العديد من المواقع بملعب مولاي عبد الله في مباراة الأسود ضد جزر القمر. ما حدث لم يكن سوى نتيجة فشل المضاربين في ترويج آلاف التذاكر التي استولوا عليا بطرق احتيالية، بحثا عن تحقيق أرباح خيالية وغير مشروعة.
مدرجات لا تعكس حجم الشغف الحقيقي، وجماهير أُقصيت بسبب القدرة الشرائية وجشع “الشناقة، في وقت تحولت التذكرة من وسيلة للفرجة الرياضية إلى سلعة خاضعة لمنطق الاحتكار. أزمة أسعار تذاكر الكان في “المارشي نوار” أعادت إلى الواجهة سؤال العدالة في الولوج إلى الملاعب، ونجاعة آليات ضبط سوق التذاكر خلال التظاهرات الكبرى.
اختفاء غريب
لم تمض سوى دقائق معدودة على فتح منصة بيع تذاكر كأس أمم إفريقيا “المغرب 2025″، حتى ظهرت عبارة “التذاكر نفذت” على شاشات هواتف آلاف المشجعين، في مشهد أعاد طرح أسئلة كبرى حول آليات التوزيع، وحجم الطلب الحقيقي، وحدود قدرة المنصة الرقمية على ضمان عدالة الولوج.
سرعة الاختفاء الصاروخية للتذاكر، وفي مقدمتها تلك الخاصة بمباريات المنتخب الوطني المغربي والمواجهات الكبرى الخاصة بمنتخبات أخرى كالجزاىر ومصر وتونس والكوت ديفوار، لم تكن مجرد مؤشر على الشغف الجماهيري الهائل، بل تحولت إلى مدخل لنقاش واسع حول فعالية البيع الإلكتروني للتذاكر واحتمالات المضاربة، ومصير تذاكر لم تصل أبدا إلى المدرجات رغم الإعلان عن بيعها بالكامل.
ضوابط ولكن؟
حسب المعطيات التي كشف عنها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم “كاف”، قبل الانطلاق الرسمي لعملية بيع تذاكر “الكان” على دفعات من خلال الموقع الرسمي للتذاكر، هناك حدود واضحة لعدد التذاكر التي يمكن لكل مشجع شراؤها خلال عملية بيع تذاكر كأس أمم إفريقيا 2025، حيث يمكن لكل مشجع اقتناء 4 تذاكر كحد أقصى لكل مباراة عند الشراء من المنصة الرسمية. كما وضع الكاف حدا إجماليا للتذاكر التي يمكن للمستخدم الواحد شراؤها طوال البطولة، أي مجموع تذاكر جميع المباريات، لا يتعدى 30 تذكرة.
هذه القيود كان يفترض أن تضمن الحد من المضاربة وتوزيع التذاكر بشكل أكثر عدالة بين الجماهير، حيث لا يتمكن شخص واحد فقط من حجز كميات كبيرة للمباريات المختلفة، قبل إعادة طرحها للبيع في السوق السوداء بسعر أعلى.
احتيال إلكتروني
كيف نجح “الشناقة” في التحايل على الضوابط “الصارمة” التي وضعتها الكاف لعملية بيع التذاكر؟ هذا السؤال طرحته “الأحداث المغربية” على عدد من المتخصصين في التجارة الإلكترونية والأنظمة المعلوماتية، الذين أجمعوا على أن السبب يعود إلى وجود ثغرات تقنية وتنظيمية استغلها المضاربون في الساعات الأولى لطرح التذاكر للبيع الإلكتروني. النتيجة هي تمكن عدد كبير من المستخدمين من القيام بعمليات شراء متكررة بالحساب نفسه أو عبر حسابات وهمية، في ظل غياب تفعيل صارم لربط كل تذكرة بهوية رقمية نهائية “بطاقة التعريف الوطنية أو جواز السفر” غير قابلة للتكرار.
كما أظهرت المنصة الإلكترونية لبيع التذاكر محدودية في رصد والتصدي للسلوك غير الطبيعي، مثل اقتناء عشرات التذاكر في ثوان معدودة، ما سمح بالاستحواذ على كميات كبيرة فور فتح باب البيع، قبل أن يتمكن الجمهور العادي من إتمام عملية الشراء.
برمجيات متطورة
بعض المضاربين المحترفين أو “الشناقة” من فئة 5 نجوم استعانوا بالتكنولوجيا من أجل قطع الطريق أمام المشجعين العاديين والاستيلاء على آلاف التذاكر لمصلحتهم الخاصة. هذه العملية تمت، حسب مصادرنا، باستخدام برمجيات آلية متطورة “bots” لا يمكن للمشجعين مجاراتها في سباق الحصول على التذاكر، بفضل قدرتها على ملء بيانات الشراء بسرعة تفوق الإمكانيات البشرية. هذه البرمجيات، المدعومة بخوادم متعددة وتقنيات إخفاء الهوية (VPN)، مكنت المضاربين من تجاوز القيود المفروضة على عدد التذاكر المسموح باقتنائها من طرف كل مستخدم.
ومن خلال محاكاة آلاف الطلبات في الدقيقة الواحدة، جرى حجز نسبة مهمة من التذاكر في وقت قياسي، وهو ما يفسر نفاد التذاكر خلال دقائق دون أن تصل فعليا إلى أيدي عدد كبير من المشجعين الحقيقيين.
شبكات منظمة
الانتشار الكثيف لإعلانات إعادة بيع تذاكر مباريات كأس الأمم الإفريقية عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة الصفحات والمجموعات الفيسبوكية المفتوحة منها والمغلقة كشف أن “تشناقت” هذه المرة ليست مجرد عمليات مضاربة فردية ومعزولة، بل إنها أقرب إلى نشاط منظم من طرف شبكات متكاملة تضم عناصر على دراية كبيرة بالأمور التقنية والإلكترونية، ووسطاء ميدانيين ينتشرون في محيط الملاعب بحثا عن ضحايا مستعدين لدفع أي مبلغ للحصول على تذكرة هذه المباراة أو تلك، إلى جانب مروجين ينشطون بقوة عبر المنصات الرقمية.
هذه الشبكات بعيدة كل البعد عن النشاط العشوائي، حيث يعتمد نشاطها بشكل أساسي على تقسيم واضح للأدوار بين من يتولى عملية الشراء بالاستعانة بالبرمجيات الآلية المتطورة، ومن يخزن التذاكر، ومن يعيد بيعها بأسعار مضاعفة.
هذا التنظيم المحكم سهل على “الشناقة” التحكم في العرض وفرض أسعار مرتفعة، محولين التذكرة من حق جماهيري إلى سلعة خاضعة لمنطق الاحتكار والمضاربة.
جمهور محبط
“واش تذكرة ديال 150 درهم توصل لـ1000 درهم، وديال 2000 درهم تتباع بـ5000 درهم.. هذا راه الحماق”. بهذه الكلمات استنكر محمد، وهو طالب في كلية الحقوق بالدار البيضاء، ما يحدث في سوق تذاكر “الكان” من احتكار ومضاربة غير مشروعة تستنزف جيوب المشجعين الشغوفين بكرة القدم، والتواقين إلى دعم المنتخب الوطني من مدرجات ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط.
تذاكر لا تتجاوز قيمتها الأصلية بضع مئات من الدراهم، عرضت بأسعار مضاعفة وصلت في بعض الحالات إلى أكثر من عشرة أضعاف، ما خلق حالة من الاستياء والغضب في أوساط الجماهير، التي اعتبرت الأمر إقصاء غير مباشر لها من المدرجات. هذا الوضع ألقى بظلاله على الأجواء العامة للبطولة، وطرح تساؤلات جدية حول فعالية آليات بيع التذاكر، ونجاعة الإجراءات المتخذة لمحاربة المضاربة وضمان حق المشجع في متابعة منتخب بلاده من المدرجات.
الأمن يتحرك
أمام هذا الوضع غير المقبول، سارعت مصالح الشرطة القضائية التابعة للمديرية العامة للأمن الوطني إلى فتح أبحاث قضائية تحت إشراف النيابات العامة المختصة، وذلك للتحقق من الأفعال الإجرامية المنسوبة لثمانية أشخاص، يشتبه في تورطهم في المضاربة في تذاكر مباريات كأس إفريقيا للأمم في كرة القدم، التي تجري منافساتها حاليا بالمملكة المغربية.
وجاء هذا التحرك بعدما ضبطت مصالح اليقظة المعلوماتية للأمن الوطني مجموعة من المنشورات على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، تعرض للبيع بطريقة غير قانونية تذاكر مباريات “الكان”، حيث أسفرت الأبحاث التقنية والتحريات الميدانية المنجزة عن تشخيص هوية المشتبه فيهم.
وقد مكنت الأبحاث والتحريات المتواصلة في هذه القضايا من ضبط المشتبه فيهم، خلال عمليات أمنية تم تنفيذها بمدن الرباط وتمارة وأكادير وسلا ومراكش والمحمدية.
وحسب بلاغ للمديرية العامة للأمن الوطني فقد تم إخضاع المشتبه فيهم الموقوفين للبحث القضائي، الذي يجري تحت إشراف النيابة العامة المختصة، وذلك للكشف عن جميع ظروف وملابسات وخلفيات هذه القضايا، فيما لازالت الأبحاث والتحريات جارية بغرض ضبط باقي المتورطين المفترضين في ارتكاب هذه الأفعال الإجرامية. فهل سيردع تحرك الأمن “الشناقة” عن غيهم أم أن الكلمة الأخيرة ستكون للجشع؟!