• رئيس الحكومة يعلن خبرا سارا للمغاربة: العودة إلى توقيت غرينيتش ابتداء من متم الصيف الحالي
  • رحلة المونديال.. السفارة المغربية تصدر دليلا للمسافرين إلى المكسيك
  • البطولة الاحترافية.. نهضة بركان يواجه الجيش الملكي في قمة الدورة 27
  • حكيمي بعد الفوز على هايتي: قدمنا مباراة كبيرة ويجب أن نواصل المشوار
  • احتقان في جامعة ابن طفيل.. مطالب بمراجعة قرار طرد 22 طالبا
عاجل
الأربعاء 08 أبريل 2026 على الساعة 20:47

“سلطة التفاصيل في حكامة الجماعات الترابية”.. دليل عملي لحكامة في خدمة الأثر على المواطنين

“سلطة التفاصيل في حكامة الجماعات الترابية”.. دليل عملي لحكامة في خدمة الأثر على المواطنين

في كتابه الصادر حديثًا، «سلطة التفاصيل في حكامة الجماعات الترابية بالمغرب: الإنسان، المنهجية، والأثر على المواطن»، يسعى أحمد الجازولي إلى تسليط الضوء على عنصر غالبًا ما يُغفل في العمل العمومي: التفاصيل. وليس المقصود بها الجانب الثانوي الذي «يختبئ فيه الشيطان» ويجب تجنبه، بل على العكس، باعتبارها واقعًا يجب كشفه، والاعتراف به، وفحصه بعناية شديدة، مع التعامل معه كخيط يربط بين النية السياسية والأثر الفعلي على حياة المواطنين.

وفقًا لهذا الخبير والمستشار الدولي، النقطة الأساسية بسيطة: السياسات العمومية نادرًا ما تفشل بسبب نقص الأفكار، بل بسبب ضعف التصميم والتسيير والتنفيذ. ويؤكد: «الحكامة لا تقتصر على تحديد التوجهات الاستراتيجية، بل تتطلب التحكم في كامل مسار المشروع من مرحلة تصوره وصولًا إلى إنتاج أثر ملموس وقابل للقياس والمشاركة. الأثر على المواطنين هو الغاية النهائية لكل عمل عمومي».

انطلاقًا من ذلك، يعرض المؤلف في كتابه منهجية مصممة خصيصًا لمراحل تصميم السياسات العمومية، بهدف تحقيق تنفيذ فعّال يؤدي إلى أثر ملموس. ويُوضّح نهجه بأمثلة عملية مثل مكافحة الفقر وتشجيع الاستثمار.

أحمد الجازولي هو خبير في الحكامة والسياسات العمومية، يتمتع بخبرة تزيد عن عشرين عامًا على الصعيدين الوطني والدولي. وقد عمل كمستشار، ورئيس فرق خبراء، ومدير برامج بالمغرب وخارجه، مرفقًا للإصلاحات والمبادرات الاستراتيجية في مجال الحكامة.

بالنسبة له، يهدف هذا الكتاب إلى المساهمة في التفكير حول أداء العمل العمومي على المستوى الترابي. وتأتي أهمية هذا الكتاب وملاءمته للواقع في وقت يستعد فيه المغرب للانتخابات المقررة في 23 شتنبر 2026.

ما الفكرة الرئيسية لكتابكم؟ وماذا تأملون من خلال نشره؟

أحمد الجازولي: يطمح هذا الكتاب إلى أن يكون مساهمة في النقاش العمومي. فهو يحمل طموح إحداث تغيير حقيقي في نموذج الحكامة، من حكامة تركز على النوايا إلى حكامة موجهة نحو الأداء، يتم قياسها بمدى تأثيرها الفعلي على حياة المواطنين. ويدافع الكتاب عن فكرة أن نجاح أو فشل السياسات العمومية يتحدد في التفاصيل؛ فبعيدًا عن الإصلاحات الكبرى، فإن العناصر الملموسة في مسار السياسة العمومية، من مرحلة التصميم إلى التنفيذ، مرورًا بتحديد المسؤوليات وآليات التتبع والتقييم، هي التي تحدد الأثر الحقيقي على المواطنين. فنجاح السياسة العمومية لا يتحقق فقط لأنها صُممت بشكل جيد، بل لأنها تُنفذ بصرامة، مع الأخذ بعين الاعتبار واقع الميدان والسياق السوسيولوجي.

وللإجابة عن هذا التحدي، يقترح الكتاب منهجية OPPOSER (الهدف، الخطة، الشخص المسؤول، الانفتاح، التتبع–التقييم–التعلم، التقارير)، وهي منهجية تنظم العمل العمومي حول الانسجام والشمولية والمسؤولية والأثر على المواطن، من خلال تحويل المواطنين إلى فاعلين في التغيير. ويركز التحليل على الجماعات الترابية باعتبارها الواجهة الأولى بين المؤسسات والمواطنين، كما يقدم مفهوم العقد الاجتماعي الترابي كنمط للحكامة التشاركية، في انسجام مع دستور 2011. ويقترح الكتاب خارطة طريق لتعزيز الحكامة بشكل عام، وحكامة الجماعات الترابية بشكل خاص، بهدف تحقيق أثر ملموس وتسريع الأداء.

غالبًا ما تُتهم السياسات العمومية على المستوى الترابي بعدم الفعالية وغياب الملاءمة. وبالإضافة إلى مسألة المنهجية والتصميم الأولي، ألا تعتقدون أن هناك عوامل أخرى تؤثر، مثل الحسابات الانتخابية أو التنافسات السياسية؟

أنتم محقون تمامًا. فعدم فعالية السياسات العمومية الترابية لا يمكن تفسيره فقط بمشكلات المنهجية أو التصميم. فالديناميات السياسية، وخاصة المنطق الانتخابي، تلعب دورًا حاسمًا في نجاح هذه السياسات أو فشلها. ففي الواقع، غالبًا ما تتأثر القرارات باعتبارات قصيرة المدى مرتبطة بالمواعيد الانتخابية، والتنافسات السياسية المحلية، والتوازنات داخل المجالس المنتخبة، فضلًا عن بعض السلوكيات البشرية. لذلك فإن إعداد العامل البشري أمر أساسي، ويرتكز على ثلاثة عناصر رئيسية:
• أولًا، من الضروري العمل قبل العملية الانتخابية. ينبغي إعداد المرشحين بشكل أفضل للمسؤوليات التي تنتظرهم. وأقترح أن تقوم الأحزاب السياسية بإحداث برامج تكوين حقيقية لفائدة مرشحيها قبل وصولهم إلى المناصب الانتخابية.
• ثانيًا، أقترح تنظيم انتخابات المجالس الترابية قبل ثلاثة أشهر من انتهاء الولايات الحالية، بما يسمح للمنتخبين الجدد بالاطلاع والتكوين والتدرب على تدبير الشأن الترابي، في إطار ما يشبه “حكومة الظل”، استعدادًا لتحمل المسؤولية.
• ثالثًا، أشدد على أهمية مشاركة انتخابية واسعة وواعية، مع اختيار نساء ورجال قادرين على العمل وفق منطق الأداء وخدمة المصلحة العامة.

ومن الضروري أيضًا الحد من تأثير الحسابات السياسية الضيقة عبر تعزيز الشفافية وإشراك المواطنين. فتنمية آليات المشاركة، مثل المنتديات المواطنة، تسمح بإشراك المواطنين في تحديد الأولويات وتتبع وتقييم السياسات العمومية. كما أن تعزيز الشفافية يجعل من الصعب توظيف العمل العمومي لأغراض سياسية.

وأؤكد كذلك على ضرورة تعزيز اختصاصات المجالس الترابية في مجالات الصحة والتعليم والثقافة والاستثمار. كما أدعو إلى تقوية الديمقراطية التشاركية، وإشراك المواطنين، خاصة النساء والشباب، في مختلف مراحل العمل العمومي. وتوفر التكنولوجيات الحديثة أدوات مهمة لتحقيق هذا الانفتاح. فهذه التحولات تتطلب نساء ورجالًا يمتلكون الكفاءة والالتزام والرؤية. وباختصار، فإن تحسين الحكامة الترابية يقوم على توازن أساسي بين جودة المنهجية وكفاءة الفاعلين ونضج الممارسة السياسية.

هناك أيضًا مسألة تقاسم الصلاحيات بين المنتخبين والسلطة الإدارية، والتي يُشار إليها كثيرًا لتفسير سوء الحكامة على المستوى الترابي. ما رأيكم في ذلك وكيف يمكن معالجته؟

إن مسألة تقاسم الصلاحيات بين المنتخبين والسلطات الإدارية تشكل تحديًا محوريًا في الحكامة الترابية. فهي غالبًا ما تخلق مناطق غموض وتداخل في الاختصاصات وتوترات تعيق العمل العمومي، وقد تصل أحيانًا إلى حالة من الجمود حيث ينتظر كل طرف مبادرة الآخر. لكن المشكلة ليست مؤسساتية فقط، بل هي أيضًا وظيفية وعلاقاتية. فبالرغم من أن النصوص القانونية تحدد الاختصاصات، فإن فعاليتها تعتمد إلى حد كبير على جودة التنسيق بين المجالس المنتخبة ومصالح الدولة اللاممركزة. وعندما يكون هذا التنسيق ضعيفًا أو قائمًا على منطق عدم الثقة، فإن أداء السياسات العمومية يتأثر مباشرة.

والحل لا يكمن فقط في إعادة تعريف قانوني للاختصاصات، بل في تنظيم تقارب فعلي للعمل العمومي على المستوى الترابي. وفي هذا الإطار، يقترح الكتاب إجراءات عملية، من بينها إعداد خطة جهوية مندمجة مدعومة بميزانية جهوية مندمجة، تشارك فيها مختلف مستويات الجماعات الترابية ومصالح الدولة اللاممركزة، بهدف تعزيز انسجام السياسات العمومية وتكاملها. كما يقترح إشراك المجالس الجهوية بشكل أكبر في إعداد الميزانية العمومية، على غرار اللجان البرلمانية، بما يقرب القرار المالي من الواقع الترابي.

كما يشكل التطبيق الاستراتيجي لميثاق اللاتمركز الإداري رافعة مهمة لملاءمة عمل مصالح الدولة مع الأولويات المحلية. ويُعد إدخال تقارير الأداء الجهوي أداة أساسية لتعزيز الشفافية وقياس أثر السياسات العمومية وترسيخ ثقافة النتائج. إضافة إلى ذلك، فإن توضيح المسؤوليات وتحديد أهداف قابلة للقياس مع تتبع صارم، يساهم في تقليص مناطق الغموض. كما أن اعتماد العقد الاجتماعي الترابي، كما يقترحه الكتاب، يعزز المشاركة المواطنة والتعاون بين مختلف الفاعلين، ويجعل أثر السياسات على المواطنين في صلب العمل العمومي.

أنتم تدعون في هذا الكتاب إلى إعادة بناء الحكامة الترابية اعتمادًا على منهجية “OPPOSER”. هل تعتقدون أن الفاعلين الترابيين يمتلكون الأدوات الكافية لاستيعاب هذا النهج؟

هذا سؤال مهم. فالفاعلون الترابيون يمتلكون اليوم قاعدة مهمة من الأدوات، خصوصًا بفضل القوانين التنظيمية للجماعات الترابية التي تفرض إعداد برامج التنمية وخطط العمل. وبالتالي فإن الإطار المؤسساتي موجود. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الأدوات، بل في كيفية تصميمها وتنفيذها.

ومن أجل تحسين الفعالية والنجاعة، ينبغي أن تُبنى هذه الخطط وفق منطق أكثر صرامة وتوجهًا نحو النتائج، كما تقترح منهجية OPPOSER. فهذه المقاربة لا تعوض الآليات الموجودة، بل تعززها من خلال إضفاء مزيد من الانسجام والوضوح والمسؤولية. وهي تقوم على تحديد أهداف دقيقة، وتخطيط عملي متين، وتحديد واضح للمسؤوليات، والانفتاح على الأطراف المعنية، إضافة إلى نظام صارم للتتبع والتقييم والتقارير. وبذلك تعيد توجيه العمل العمومي نحو جوهره الأساسي: الأثر على المواطن.

فالمعيار النهائي للأداء يجب أن يكون أثر السياسات على المواطنين. ولم يعد كافيًا إعداد الخطط أو احترام الإجراءات؛ بل المطلوب هو تحسين ملموس في ظروف عيش السكان. وفي السياق المغربي، وبعد عقود من تجربة الحكامة المحلية منذ سنة 1960، نعيش اليوم لحظة مفصلية. إذ لم يعد ممكنًا الاكتفاء بحكامة شكلية، بل ينبغي للمؤسسات الترابية أن تثبت قدرتها على إحداث أثر اقتصادي واجتماعي حقيقي، بما يعزز الثقة ويقوي انخراط المواطنين في الديمقراطية التمثيلية على المستوى الترابي.

لكن تطبيق هذه المقاربة قد يترتب عنه كلفة مالية لا تستطيع العديد من الجماعات الترابية تحملها. أليست فعالية الحكامة مسألة موارد قبل كل شيء؟

صحيح أن الديمقراطية والأداء لهما كلفة، فالحكامة الجيدة، الشفافة والموجهة نحو النتائج، تتطلب حدًا أدنى من الاستثمار. غير أن الفعالية لا تعتمد أولًا على حجم الموارد، بل على كيفية استخدامها. فالجماعات الترابية تتوفر بالفعل على موارد مالية وبشرية وأدوات للتخطيط، غير أن المشكلة تكمن غالبًا في تشتت المبادرات وضعف التنسيق وغياب ترتيب الأولويات، وهو ما يحد من أثر السياسات العمومية.

وتهدف المقاربة المقترحة، خصوصًا عبر منهجية OPPOSER، إلى هيكلة العمل العمومي بشكل أفضل، من خلال توضيح المسؤوليات وتعزيز التتبع والتقييم وتوجيه الجهود نحو نتائج قابلة للقياس. وهي لا تتطلب بالضرورة موارد إضافية، بل قد تساهم في تقليص التكاليف الناتجة عن سوء التدبير والأخطاء في التنفيذ.

كما يقترح الكتاب، في الفصل المتعلق بالجبايات المحلية، مجموعة من الآليات لتعزيز تعبئة الموارد المالية، وهو عنصر أساسي منذ مرحلة تحديد الأهداف، في إطار تحقيق نتائج أكبر بتكلفة أقل.

ومن المهم التذكير بأن كلفة سوء الحكامة أكبر بكثير من كلفة إصلاحها، سواء اقتصاديًا أو اجتماعيًا. صحيح أن بعض الاستثمارات تظل ضرورية، خاصة في مجالات التكوين والشفافية والتدبير المرتكز على النتائج، لكنها استثمارات هيكلية ومربحة على المدى القريب والبعيد. فالتحدي ليس في توفر موارد أكثر، بل في حسن استخدام الموارد المتاحة لتحقيق أثر حقيقي وملموس للمواطنين.