دقت ساعة الانتخابات وبدأت معها بعض الأحزاب في رحلة المتاجرة بمشاعر الناس. يتصدر هذا المشهد عودة شعبوية الخطاب السياسي الذي يركز على تقديم وعود وردية بحذف الساعة الإضافية في محاولة مكشوفة لكسب الأصوات والتأثير على الكتلة الناخبة بطرق تفتقر للإبداع والواقعية.
لا نختلف على أن المواطن تزعجه بالفعل هذه الساعة التي تمس تفاصيل حياته ونظامه اليومي وتؤثر على استقراره المزاجي والصحي. لكن المفارقة الصارخة تكمن في المواقف السياسية المتقلبة تقلب الساعة. فالكل كان شريكا في إضافتها وتثبيت عقاربها في الماضي، واليوم يتنكر لها الجميع ويتهرب من مسؤوليتها وكأن هذا القرار لم تدعمه التحالفات الحكومية.
تعود بي الذاكرة إلى سنة 2008 حين كنت أول صحافي ينشر السبق الحصري حول إضافة هذه الساعة. اتصلت حينها بوزير الاتصال في تلك الحقبة خالد الناصري رحمه الله فنفى الأمر بشكل قاطع. ثم ربطت الاتصال بوزير الإدارة العمومية في ذلك الوقت محمد عبو الذي نفى بدوره الموضوع بصفة نهائية. ولأن مصدري الأول كان غير موثوق لحد ما تريثت بعض الوقت حتى جاءني اتصال من داخل دواليب الحكومة يعطيني التفاصيل الدقيقة للقرار.
في اليوم الموالي تفاجأت باتصال من الوزيرين يعاتبانني بعبارة صريحة مفادها أنني تسببت لهما في صداع الراس لأنهما كانا بصدد التحضير للقرار وكانا على وشك الخروج في إجازة. ويا للعجب كيف يتحول النكران المطلق إلى إقرار سريع ونقاش في تلك السنة.
هذه الواقعة تلخص مسار هذه الساعة التي انتقلت بشكل تدريجي من الإقرار الجزئي والمؤقت إلى الترسيم السنوي الدائم إلى غاية إيقافها الاستثنائي فقط خلال شهر رمضان وتلويح بتقارير طاقية لم يطلع عليها أحد وسط صمت وموافقة الجهات نفسها التي تنتقدها في الوقت الحالي وتجد لها “تبريريون” يلوحون بـ”صكوك غفران”.
إن أعلى سلطة في البلاد تحث الأحزاب بصفة مستمرة على تحبيب السياسة للمواطنين والارتقاء بالخطاب ليتوجه للعقول وتصور برامج حقيقية. لكن ما نلاحظه من خطاب سياسي وما يروج في برنامج “ساعة الصراحة” في القناة الثانية (وبرافو للزملاء على مهنيتهم)، يخالف هذا التوجه بالكامل. هذا الخطاب العقيم المفتقر للإبداع لن يترك للناخب أي خيار غير أن “يقلب ساعة بأخرى” وينفر من السياسة أكثر، لأنه يبدو بكل وضوح أن لا شيء سيغير ما بأنفسهم.
الاستمرار في التلاعب بهذا الملف بعد أن ضبط عقاربه كل الأطراف بوعي كامل ووضعه ضمن “مشروع البرامج الانتخابية” لبعض الأحزاب التي لا داعي لذكرها بالاسم هو استغباء واضح للناخبين ولعب مكشوف بورقة الشعبوية المقيتة.
المثير للسخرية في هذا المشهد العبثي هو أن من سيدخل الحكومة المقبلة من “أحزاب الساعة” سيغير موقفه بمجرد الجلوس على كراسي المسؤولية. وإن أتاهم المنادي بوجوب العمل بها والاستمرار في ترسيمها سينبرون للدفاع عنها وسيبررونها بكل الطرق الممكنة وغير الممكنة، وسيبدعون في الحجج والدراسات لإقناعنا بفوائدها التي ينتقدونها في الوقت الراهن.
وعلى كل حال فساعة الانتخابات آتية بشعبوية في أبهى صورها.