عرفت عملية انتخاب نائب رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي سباقا قويا امتد لست جولات متتالية، حيث ظل الفارق بين المرشحين قريبا بشكل يثير تساؤلات عديدة، كما انه لم يتجاوز في أي جولة اثنتين إلى أربع أصوات.
وعلى كل حال فهذه النتيجة، لا تعكس بالضرورة توازن القوى الحقيقي داخل القارة، وتثير الجدل حول مدى شفافية العملية الانتخابية، خاصة في ظل المعطيات التي كشفتها وفود الحاضرين حول التفاوت الواضح بين المرشحين من حيث الكفاءة والخبرة.
فالمرشحة المغربية، وفق تقييم عدد من الوفود الحاضرة، كانت الأكثر تأهيلًا للمنصب، سواء من حيث الخلفية الأكاديمية والتجربة المهنية أو من حيث وضوح الرؤية وجودة العرض الذي قدمته أمام قادة الدول الإفريقية. ومع ذلك، أفرزت النتائج تعادلات متكررة ومرورا صعبا للمرشحة الجزائرية، ما دفع الكثيرين إلى التساؤل عما إذا كان المال السياسي قد لعب دورا في تعويض الفوارق الجوهرية بين المرشحين.
انتصارات وهمية
هذا “الإنجاز” الذي تحاول الجزائر تضخيمه، لا يعدو كونه انتصارا إداريا محدودا لا يغير شيئا من موازين القوى الحقيقية داخل الاتحاد الإفريقي، فبالنظر إلى الطريقة التي احتفت بها وسائل الإعلام الجزائرية بهذا الحدث، يبدو أن النظام الجزائري وجد في الظفر بمنصب إداري يتيم نوعا من العزاء لكروبه السياسية والدبلوماسية المزمنة، بعد إخفاقات متكررة في محطات حاسمة.
وفي هذا الصدد، قال المحلل السياسي والأكاديمي عمر الشرقاوي في تصريح لموقع “كيفاش”: “الذي يتابع حجم الهيستيريا التي تعيشها أبواق الدعاية الجزائرية بسبب انتخاب ممثلتها نائبة رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، يتأكد بالملموس كيف أن دبلوماسية فاشلة تسترق الفرح وتعلن مبالغات انتصارية تجنح إلى الخرافة، بينما سادت لديها لسنوات استراتيجية إنكار الفشل”.
وأوضح الشرقاوي أن المغرب، رغم عدم حصوله على منصب نائب الرئيس، لا يزال فاعلا مؤثرا داخل المنظمة، مشيرا إلى أن المملكة نجحت في تثبيت حليفها، الجيبوتي محمود علي يوسف، رئيسا للمفوضية، وهو مكسب استراتيجي يعكس استمرار تأثير المغرب في القرارات الكبرى للاتحاد.
حليف في الرئاسة
ومع ذلك، فلا يمكن إغفال التأثير الكبير لغياب 6 دول صديقة للمغرب عن التصويت، وهي: الغابون، النيجر، بوركينا فاسو، مالي، غينيا، والسودان، بسبب تعليق عضويتها. هذه الدول كانت ستُحدث فارقا جوهريا في نتائج الاقتراع، ما يفسر جزئيا كيف انتهى التصويت بهذه الطريقة المتقاربة وغير المنطقية مقارنة بإمكانات المرشحين.
كما أشار الشرقاوي إلى أن الجزائر، التي كانت تتحرك بحرية داخل الاتحاد الإفريقي قبل عودة المغرب، وجدت نفسها مضطرة في هذه الانتخابات إلى حشد كل مؤسساتها، من رئاسة الجمهورية إلى وزارة الخارجية مرورا بأجهزتها الاستخباراتية، مع توظيف أموال طائلة، ومع ذلك احتاجت إلى سبع جولات لحسم المنافسة لصالحها، وهو ما يعكس تراجع نفوذها التقليدي داخل المنظمة.
ورغم عدم الظفر بهذا المنصب تحديدا، لا يزال المغرب يحافظ على موقعه القوي داخل هياكل الاتحاد الإفريقي، حيث يشغل السيد فتح الله سجيلماسي منصب المدير العام للمفوضية، وهو ثالث أهم منصب داخل المنظمة، ما يعكس استمرار الحضور المغربي المؤثر داخل دواليب القرار الإفريقي.
إلى جانب ذلك، فإن فوز المرشح الجيبوتين، الذي يحظى بدعم مغربي، برئاسة المفوضية يؤكد أن المملكة لم تخرج خالية الوفاض من هذه الانتخابات، بل لا تزال لاعبا أساسيا في صياغة التوجهات السياسية للاتحاد.
ومن بين أحد العوامل التي لعبت دورا في تحديد نتائج هذه الانتخابات هو منطق التوازنات داخل الاتحاد الإفريقي، حيث أكد عدد من الدول للمغرب أنها تؤيد منحه مناصب قيادية داخل الاتحاد، لكنها ترى في المقابل ضرورة توزيع المناصب بين مختلف التكتلات الإقليمية. وبالتالي، لم يكن التصويت دائما قائما على الاصطفافات التقليدية بقدر ما كان محكوما برغبة بعض الدول في الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن داخل المنظمة.
وبينما احتفلت الجزائر بهذا الفوز وكأنه انتصار دبلوماسي استثنائي، فإن الواقع يؤكد أنه لم يكن سوى تعويض رمزي عن خسائر كبرى تعرض لها، خاصة وأن المملكة، رغم المنافسة، لا تزال تحافظ على مواقع مؤثرة داخل المفوضية، وتواصل بناء تحالفات استراتيجية تعزز مكانتها كقوة وازنة داخل الاتحاد الإفريقي.