على بعد أشهر من موعد الاستحقاقات الانتخابية التشريعية 2026، كشف بحث ميداني حديث أجرته جمعية “المواطنون” عن ملامح مقلقة لخريطة المواقف السياسية لدى شريحة واسعة من المغاربة.
الدراسة الوطنية، التي حملت عنوان “كيف يرى المغاربة انتخابات 2026؟”، شملت استشارة 2992 مواطنة ومواطن عبر “مقاهي المواطنة” في جميع جهات المملكة الاثنتي عشرة، لتضع يدها على مفارقة ديمقراطية لافتة: إيمان بالديمقراطية كقيمة، ومقاطعة واسعة للممارسة القائمة.
ورغم أن العينة المستجوبة شملت فئات حضرية ومثقفة بنسب عالية، وهي الفئات التي تُشكل عادة النواة الصلبة للمشاركة، إلا أن النتائج جاءت لتؤكد وجود “فقدان ثقة واعي” مبني على تقييم نقدي للمنظومة، وليس مجرد عزوف عشوائي أو لامبالاة بالشأن العام.
أزمة ثقة عارمة في الأحزاب والمنتخبين
وأظهرت نتائج البحث أن الفاعلين السياسيين يعيشون في وادٍ والمواطنين في وادٍ آخر؛ إذ سجلت مؤشرات الثقة في الأحزاب والمنتخبين مستويات متدنية للغاية. فقد منح المشاركون معدل 1.52 من أصل 5 درجات فقط لمدى اهتمام الأحزاب بقضايا المواطنين، ومعدل 1.48 لالتزام المنتخبين بوعودهم.
أكثر من ذلك، صرّح 79.5 في المائة من المستجوبين بأنه لا يربطهم أي تواصل مع الهيئات السياسية. هذا الغياب الميداني والضعف التواصلي رسخ قناعة لدى 89.5 في المائة من المشاركين بأن الأحزاب لا تكترث لانشغالاتهم، ولا تظهر إلا مع اقتراب صناديق الاقتراع.
ولم تسلم مصداقية النتائج الانتخابية السابقة من التشكيك، إذ لم يمنحها تقييماً مرتفعاً سوى 13.6 في المائة فقط من المشاركين.
فضاءات التواصل الاجتماعي.. البديل الرقمي للهجرة السياسية
في ظل “القطيعة” الميدانية للأحزاب، هاجر المواطنون سياسياً نحو المنصات الرقمية؛ حيث شكلت شبكات التواصل الاجتماعي المصدر الأساسي للمعلومة السياسية لـ74.0 في المائة من المستجوبين، متفوقة بفارق شاسع على الصحافة الإلكترونية والمكتوبة (13.6 في المائة)، والتلفزيون (3.4 في المائة).
وتوضح الدراسة أن هذا الاعتماد لا يبدو ساذجاً، بل يرافقه وعي نقدي حذر تجاه ما ينشر عبر الخوارزميات والمنصات.
مفارقة المشاركة.. الشباب والنساء أكثر استعدادا وأكثر انتقادا
وكشفت الدراسة عن ثلاث فجوات رئيسية تفسر معضلة السلوك الانتخابي بالمغرب:
فجوة الالتزام والسلوك: يعتبر 66.6 في المائة من المشاركين أن التصويت واجب مواطن مهم، لكن هذا الوعي النظري لا يترجم واقعياً، حيث إن 41.3 في المائة ممن كان يحق لهم التصويت في انتخابات 2021 قاطعوا الصناديق بشكل إرادي.
فجوة الأجيال: على عكس الشائع، أبدى الشباب (18-24 سنة) النية الأعلى للمشاركة في انتخابات 2026 بنسبة 49.8 في المائة (نوايا إيجابية)، رغم أنهم الفئة الأكثر نقدًا للمؤسسات والأكثر تهميشاً داخل الحقل السياسي.
فجوة النوع الاجتماعي: أبدت النساء رغبة أكبر في التصويت مستقبلاً بنسبة 49.0 في المائة مقارنة بالرجال (40.7 في المائة)، غير أنهن يصطدمن بعوائق إجرائية وإدارية تجعلهن أقل تسجيلاً في اللوائح الانتخابية.
“دفتر تحملات” ديمقراطي لإعادة التعبئة
المستجوبون لم يكتفوا بالانتقاد، بل قدموا شروطاً واضحة وصارمة مقابل عودتهم إلى مكاتب الاقتراع في 2026، واضعين ما يشبه “دفتر التحملات” أمام صناع القرار يتصدره:
1. ضمان نزاهة العملية الانتخابية ومصداقيتها (47.6 في المائة).
2. تقديم برامج سياسية واضحة ومفهومة (42.9 في المائة).
3. إتاحة فرص حقيقية للمرشحين الشباب وتجديد النخب (40.6 في المائة).
4. تعزيز الشفافية في تمويل الأحزاب السياسية (39.7 في المائة).
وفي المقابل، صرحت فئة تبلغ 24.1 في المائة بأن لا شيء يقنعها بالتصويت، مما يشكل “النواة الصلبة للعزوف” التي تتطلب إصلاحات هيكلية عميقة لاستعادتها.
توصيات استراتيجية.. التعليم أولا والتسجيل التلقائي فورا
وعلى مستوى الأولويات المجتمعية، وجه المشاركون رسالة مباشرة للأحزاب بأن تقييمهم سيرتبط بالملفات الحياتية؛ إذ جاء التعليم في المقدمة بنسبة 50.8 في المائة، تلته الصحة بنسبة 21.9 في المائة، ثم التشغيل بنسبة 16.2 في المائة.
أما لتجاوز المعيقات قبل محطة 2026، فقد خرج تقرير جمعية “المواطنون” بتوصيات عملية ملحة، أبرزها:
– إقرار التسجيل التلقائي في اللوائح الانتخابية عبر البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية لتسهيل مشاركة الشباب والنساء.
– توسيع منظومة ملاحظة الانتخابات ونشر نتائج المكاتب بصيغ رقمية مفتوحة لضمان الشفافية.
– فرض مناظرات عمومية دورية ومستقلة بين الأحزاب، وإلزامها بنشر برامجها وفق قالب موحد يسهل مقارنته.
– إحداث آليات مدنية للتتبع والمساءلة بعد الانتخابات لمراقبة مدى وفاء المنتخبين بوعودهم.
ويخلص التقرير إلى أن محطة 2026 ليست مجرد موعد انتخابي عادي، بل هي لحظة حاسمة؛ إما أن تستثمرها الدولة لإعادة بناء الثقة مع شرائحها الحية والمثقفة، أو تخاطر ببلورة عزوف سياسي مستدام ومؤسساتي.